ديفيد هيرست: هل تظل الموصل “مدينة سنية” بعد صمت المدافع؟

مشرف 607 مشاهدات0

قال ديفيد هيرست إن المعركة الحقيقية لمدينة الموصل سوف تبدأ حينما تصمت المدافع، حيث سيتضح “حينها ما إذا بقيت الموصل مدينة ذات أغلبية سنية”، حسب قوله.

واستعرض هيرست، في مقال نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، مظاهر التعذيب الذي يتعرض له أهالي المناطق السنية التي يستعيد الجيش وميليشيات الحشد السيطرة عليها من “تنظيم داعش”، والتي تشمل القتل على الهوية والتعذيب حسب شهادات مقدمة لمنظمة العفو الدولية.

وقال الكاتب البريطاني في مقال بعنوان “التحرير الذي ينتظر الموصل”؛ إن المدن التي سيطرت عليها السلطات العراقية مثل الفلوجة وتكريت والمقدادية سقطت في مظاهر الحكم الطائفي، ويخشى أن تصل الموصل إلى المصير نفسه بعد استعادتها من “تنظيم داعش”.

وفيما يلي النص الكامل للمقال مترجم
التحرير الذي ينتظر الموصل

ديفيد هيرست

ميدل إيست آي

“اقتادوني ليلاً نحو البيت الأصفر ووضعوني في غرفة حجمها 4 م في 5 م مع عشرات آخرين. كانت الجدران ملطخة بالدماء. بدأ التعذيب مباشرة. ضربونا بكل ما وقعت عليه أيديهم، بالقضبان الحديدية، بالمجارف، بالأنابيب، بالأسلاك المعدنية، ومشوا فوق هاماتنا يدوسوننا ببساطيرهم.

أهانوننا، وقالوا إن ذلك كان انتقاماً لمذبحة سبايكر… شاهدت شخصين يموتان أمام عيني. وفي اليوم التالي شاهدت (تم حذف اسم قريبه بناء على طلبه) يموت بعد أن تلقى عدة ضربات على رأسه بالمجرفة. مات آخرون بسبب سوء الأوضاع. في اليوم الأول لم يقدموا لنا شيئاً نشربه، وفي اليوم التالي جاؤونا بقارورة لعشرة أشخاص. ثم أخذوا ما يقرب من ثلاثمائة منا ونقلوهم في شاحنة، بعد أن صفدوا كل اثنين منا معاً. أحد الرجال مات هناك على الفور، فيما أظن بسب العطش والاختناق… أخرج آخرون، ثم سعمت صوت طلقات نارية. فيما بعد تمكنت من شم رائحة احتراق أيضا”.

هذه شهادة أحد الناجين، يشرح فيها ما يعنيه أن يتحرر الإنسان من تنظيم داعش على يد رجال يلبسون زي الجيش العراقي والشرطة العراقية. سلمت هذه الشهادة إلى منظمة العفو الدولية في العام الماضي بالقرب من الفلوجة، في السجر وكذلك في السقلاوية حيث اختفى 643 رجلاً.

ثمة سبب يبرر إقدام منظمة العفو الدولية على نشر هذه الشهادة خلال الأسبوع الذي شهد شن القوات العراقية والقوات الكردية هجومها لاستعادة الوصل. فبناء على المقابلات التي أجريت مع 470 سجينا سابقا لدى المليشيات الشيعية، تريد منظمة العفو الدولية تسليط الضوء على المخاوف التي تهيمن على تفكير كل لاجئ قد تسول له نفسه الخروج خلال الأيام والأسابيع القادمة من الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق والمدينة ذات الأغلبية السنية الساحقة. على افتراض أن الناس سيقدمون طواعية على الخروج، تقدر الأمم المتحدة عدد من قد يتركون بيوتهم ويلوذون بالفرار من المدينة بما يقرب من مليون نسمة.

بوتقة من الطائفية

الاعتقال العشوائي، والتعذيب، والاختفاء القسري والقتل غير المشروع، ليس جديداً في عراق ما بعد صدام. فهذه تكريت والفلوجة وأقضية مثل المقدادية في محافظة ديالا، والتي ما لبثت تخضع لسيطرة الحكومة منذ يناير 2015، قد شكلت نمطاً يمكن أن يتكرر الآن على نطاق أوسع في الموصل. لا تعتبر تقارير منظمة العفو الدولية أو هيومان راتيس واتش مجرد مزاعم بوقوع جرائم حرب، بل هي أدلة دامغة على ارتكاب هذه الجرائم.

يشير ضحايا وحدات الحشد الشعبي الشيعي إلى ثلاثة أسباب يتذرع بها مهاجموهم: الانتقام للهجمات الطائفية التي يقوم بها تنظيم داعش ضد الشيعة، والاعتقاد بأن جميع الرجال السنة ممن بلغوا سن القتال هم مقاتلون في صفوف داعش أو هم عائلات هؤلاء المقاتلين يمارسون التخفي، ووجود حافز ديني واضح لتغيير التركيبة الإثنية داخل المدن العراقية الكبرى.

تذكي هذه الطائفية التصريحات الصادرة عن زعماء المليشيات الشيعية أنفسهم. فهذا قيس الخزعلي، زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق، يصف تحرير الموصل بعملية الانتقام لمقتل الإمام الحسين وكذلك “التحضير لحالة من العدالة الإلهية”، حيث قال: “سيكون تحرير الموصل انتقاماً من قتلة الحسين، لأن هؤلاء هم أحفادهم. وبإذن الله سيكون تحرير الموصل انتقاماً من قتلة الحسين وعقاباً لهم”.

وهذا يعيد الحافز على القيام بالحملة الحالية إلى العام 680 ميلادية، حينما أدى موت الحسين إلى الانفصام الذي نجم عنه تشكل فرعي الإسلام. ليس الخزعلي شخصية هامشية، بل يتزعم عصائب الحق، ثاني أكبر ميليشيا شكلها الإيرانيون في عام 2006 لمهاجمة قوات الولايات المتحدة الأمريكية في العراق. على الرغم من أنهم يحاولون إظهار مليشيات الحشد الشعبي الممولة من قبل الحكومة كما لو كانت مناهضة للطائفية – لدرجة أن إحدى مليشيات الحشد ذهبت إلى حد إنتاج رسومات تظهرهم كما لو كانوا يدافعون عن النصارى – إلا أن كلمات الخزعلي تقطر بالطائفية.

ويوم الثلاثاء عاد الخزعلي إلى الواجهة مجدداً حينما ظهر في لقاء مصالحة مع واحد من منافسيه الرئيسيين، رجل الدين المتنفذ مقتدى الصدر.

شروط تجنيد ميسرة

كان تاريخ الهجمات التي شنتها المليشيات الشيعية أثناء فترة رئيس الوزراء نوري المالكي وجهوده المستمرة بشكل منتظم لإقصاء الزعماء السنة من السلطة هي التي أوجدت البيئة الملائمة لتجنيد المحبطين من أبناء السنة في صفوف تنظيم داعش.

إلا أن الهجمات وهيمنة المليشيات استمرت في عهد خلفه حيدر العبادي الذي كان قد تعهد مراراً وتكراراً بإشراك الآخرين في السلطة. استمرار هذه الأوضاع هو الذي سمح لتنظيم داعش بالاستيلاء على الموصل من خلال حفنة من المقاتلين في عام 2014. ولذلك أعلن زعيم تنظيم الدولة البغدادي أن مهمة التنظيم هي توفير الحماية لسنة الأنبار ضد اعتداءات الرافضة، وهو المصطلح الذي يطلق على الشيعة انتقاصاً منهم.

استجابة للضغوط، قام العبادي في الخامس من حزيران (يونيو) الماضي بإنشاء لجنة للتحقيق في الجرائم التي ارتكبت في معركة الفلوجة، وأعلن عن القبض على عدد غير محدد من الناس الذي ارتكبوا “تجاوزات”. ولكن كان من بين أعضاء اللجنة عناصر من الحشد الشعبي ومن الشرطة الفيدرالية هم أنفسهم متهمون بارتكاب هذه الجرائم. ولذلك، لم يكن عجباً أن تحجم الحكومة العراقية عن تزويد منظمة العفو الدولية بأي تفاصيل عن عمل اللجنة.

أما في العلن، فقد تمسك العبادي ووزير خارجيته بنظرية التفاحة المتعفنة، حيث قال وزير الخارجية إبراهيم الجعفري، وهو نفسه من سكان الموصل سابقاً، بينما كان في لندن في وقت مبكر من هذا الشهر: “لا أنكر الأعمال التي قام به شخص هنا أو هناك أو مجموعة صغيرة من الناس هناك أو هناك”. وأضاف أن الموصل ستكون عملية عسكرية تقوم بها القوات العراقية، وأنها لن تكون مدفوعة بأجندة دينية أو طائفية.

قال أثيل النجيفي، المحافظ السابق للموصل والذي يتزعم حالياً ميليشيا سنية تعرف باسم الحشد الوطني، إنه إذا ما تم نشر ميليشيات الحشد الشعبي في الموصل ووجد الناس أنفسهم يخيرون مع من يقاتلون، فإن الكثيرين منهم سيختارون الانحياز إلى جانب تنظيم داعش.

قال النجيفي: “لا الحكومة العراقية ولا الولايات المتحدة الأمريكية، ولا أجزاء من المنظمات الدولية قامت بأي شيء لوقف الظلم الذي يتعرض له السنة… بل هم يكذبوننا ويصرون على أن السنة لم يتعرضوا لشيء من الاضطهاد. عليهم أن يعلموا أنهم إذا لم يأخذوا هذه الأمور بالحسبان، فإن المناطق السنية ستشهد عنفاً متصاعداً بعد رحيل تنظيم داعش”.

لم يلبث العبادي أن استجاب تحت الضغط واعداً بإقصاء الوحدات سيئة الصيت ضمن الحشد الشعبي عن الخطوط الأمامية في المعركة، وقد عزز من ذلك رفض الولايات المتحدة توفير غطاء جوي إذا ما تعرضت هذه الوحدات لهجمات مسلحة من قبل عناصر تنظيم داعش. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إلى أي مدى يملك العبادي زمام المبادرة، وما إذا كانت القوات المنضوية تحت هذه الوحدات من الحشد الشعبي أقوى من العبادي نفسه؟

الطرد الجماعي

تشكل الحملة لاستعادة المدينة نصف الحكاية فقط، حيث تتركز المخاوف على ما ستؤول إليه أوضاع هذه المدن بعد أن يتم طرد تنظيم داعش منها.

لا يمكن لما مرت به الفلوجة من تجربة أن يستبشر به حينما يتعلق الأمر بما قد تؤول إليه الأوضاع في الموصل، فبعد ثلاثة شهور من تحريرها ماتزال المدينة خاوية على عروشها، ولم يسمح سوى لعدد قليل جداً من العائلات بالعودة إليها، وبعض من عاد إليها ما لبث أن غادرها تارة أخرى.

يمكن، مرة أخرى، أن يكون لهذا المآل أكثر من سبب. في القرى المحيطة بالمصيل اكتشف مقاتلو الكرد شبكة من الأنفاق المفخخة، والتي يستخدمها عناصر تنظيم داعش لشن هجمات انتحارية ضد خطوط قوات الحكومة العراقية. في حالة الفولجة، كانت قوات الحكومة العراقية قد حفرت خندقاً حول المدينة للحيلولة دون وقوع مثل هذه الهجمات. ولكن، وبعد مرور ثلاثة شهور، بدأت قرينة الشك تتلاشى.

لو استمرت المليشيات الشيعية مهيمنة على المدينة التي استولت عليها فكم من سكان الفلوجة البالغ عددهم 300 ألف نسمة سيرجع إليها بعد أن نزح عنها؟

من البحر المتوسط إلى بغداد، من درعا، التي اندلعت فيها الانتفاضة في سوريا، إلى الموصل، يجري طرد العرب السنة من مدنهم، وتحول السواد الأعظم من الناس الذين عمروا هذه الأراضي إلى لاجئين، إما خارج البلاد أو نازحين في داخلها. إما على أيدي بشار الأسد والروس والمليشيات المدعومة إيرانياً في حالة حلب، أو على أيدي قوات الحكومة العراقية في تكريت والرمادي. منذ سيطرة داعش، وصل عدد العراقيين الذين ألجئوا إلى الفرار من ديارهم إلى ما يقرب 3ر3 ملايين نسمة، وحتى الآن لم يعد من هؤلاء إلا النزر اليسير، بل بقي السواد الأعظم من سكان هذه المدن خارج ديارهم.

خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، جرى تفريغ ثلاث بلدات في ضواحي دمشق: قدسيا، الحمه والآن معضمية الشام بعد أن حوصرت وقصفت من قبل النظام على الرغم من وجودها على مسافة بضعة كيلومترات فقط من مخازن مواد الإغاثة المخصصة لها. لقد أخرج منها الثوار وعائلاتهم بعد أن وافقوا على ما بات يعرف بهدنات “الركوع أو الموت”، ثم شحنوا جميعاً إلى إدلب على متن حافلات ركاب أقلتهم إلى هناك، ومن غير المحتمل أن يعودوا إلى بلداتهم أبداً من بعد. وبموجب هدنة جرى التوصل إليها في شهر أغسطس في داريا، وهي ضاحية أخرى من ضواحي دمشق طالما تعرضت للحصار، تقرر نقل كافة سكان المنطقة – الذين يقال إن تعدادهم يصل إلى 4 آلاف نسمة – من بيوتهم إلى ملاجئ تابعة للحكومة.

يقطن الموصل طيف هائل من الأقليات الإثنية والدينية، فإلى جانب العرب والكرد والتركمان، هناك أيضاً أقليات دينية من النصارى واليزيديين والشاباك والكاكاي. إن الطريقة الوحيدة لوقف الصراع في سوريا وفي العراق، والطريقة الوحيدة لمنع وحش داعش من التولد من جديد وبشكل مستمر ولا نهائي، هو ضمان أن الموصل المحررة تحتفظ بنفس التوازن الإثني والعقدي الذي اتسمت به قبل أن يسيطر عليها تنظيم الدولة. وكذلك من خلال ضمان أن جميع العراقيين أياً كانت معتقداتهم أو أعراقهم السبيل أمامهم مفتوح للمشاركة في السلطة وللتمتع بالحماية التامة، وكذلك بحق اختيار من يرونه صالحاً من قياداتهم السياسية.

بكل وضوح، لن يتم بناء عراق جديد على أنقاض هذه المدن، بل قد يكون المآل بديلاً عن ذلك هو تشكل واقع حضري جديد ناجم عن التطهير العرقي.

لا أحد يعرف يقيناً مدى استحكام مقاتلي تنظيم داعش داخل المدينة، ولا أحد يعلم يقيناً كم سيستغرق القتال من أجل استعادة الموصل وكم من الأبرياء سيقضون نحبهم قبل أن تستكمل استعادتها. إذا ما اعتبرنا تجربة استعادة السيطرة على كل من تكريت والفلوجة نموذجاً، فإن المعركة الحقيقية على الموصل ستبداً حينما يتوقف القتال. إن استعادة الموصل وحدها لن تحدد نتيجة هذه الحرب، وإنما سيحددها إعادة توطين الموصل.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: