النزاعات العشائريّة المسلّحة في العراق تهدّد السلم الأهليّ

هيئة التحرير 1.6K مشاهدات0

              بابل – بالتّوازي مع معاركهم ضدّ تنظيم “داعش”، الّذي احتلّ أجزاء واسعة من العراق في 10 يونيو/حزيران من عام 2014، يخوض العراقيّون معارك داخليّة صغيرة تندلع بين الحين والآخر بين العشائر المختلفة، كما حصل في 2015/03/18 من نزاع مسلح بين عشيرتي عشيرتي الفرطوس والبوعلي، في محافظة ميسان جنوب العراق، أدى الى سقوط تسعة قتلى و30 جريحاً بينهم نساء وأطفال، حيث تتسبّب الخلافات المالية والتنافس على امتلاك الأراضي في هذه النزاعات الدموية.

كما نشبت معارك عشائرية في قضاء سيد دخيل شرق مدينة الناصرية جنوبي العراق، في 30 /12/2015 حول “غسل العار” وتستخدم فيها الأسلحة الناريّة الخفيفة والثقيلة، ويذهب ضحيّتها الكثير من الناس. وإنّ وقائع هذه المعارك الداخليّة كثيرة، ولا تقتصر على منطقة من دون أخرى، فهي تجري في الجنوب، كما في الشمال، ويبدو أنّ العراقيّين الّذين كثيراً ما اشتكوا من نظام صدّام حسين الّذي قادهم إلى خوض حروب عبثيّة، انتقلوا إلى مرحلة محاربة بعضهم البعض، في الوقت الّذي لم تنته معاركهم المعقّدة والمكلفة ضدّ تنظيم “داعش” بعد.

ففي مدينة البصرة (545 كلم جنوب بغداد)، تسبّب نزاع عشائريّ مسلّح حصل في 6 شباط/فبراير من عام 2015 على أثر خلاف ماليّ بين عشيرتي “الحمادنة” و”البطوط”، واستخدمت فيه مختلف الأسلحة، بمقتل مواطن وإصابة اثنين آخرين. وعلى غراره، أدّت اشتباكات بالأسلحة الخفيفة بين عشيرتي “الدبات” و”المريان” شرقيّ الناصريّة، (350 كلم جنوب العاصمة بغداد) في 16 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2015، إلى مقتل وإصابة أربعة أشخاص من بينهم امرأة. وفي 20 أيلول/سبتمبر من عام 2015، قتل وأصيِب أربعة أشخاص في اشتباكات عشائريّة بين عشيرتين بمنطقة أبي صيدا، في ديالى (57 كلم شمال بغداد)، استخدمت فيها الأسلحة الناريّة الخفيفة والمتوسّطة.

وفي الواقع، إنّ النزاعات العشائريّة في المجتمع العراقيّ قديمة، وشكّلت إحدى أهمّ المشاكل للدولة العثمانيّة أوّلاً، وللإحتلال الإنكليزيّ ثانياً، وللحكم الوطنيّ الّذي أقيم في عام 1921 ثالثاً، ممّا حدا بالدولة العراقيّة الحديثة إلى توظيف العشيرة في السياسة وإشراكها في القرار السياسيّ. ومع مرور الزمن، تقوّت الدولة على النظام العشائريّ وألجمت نزاعاته الداخليّة وتدخّلاته في شؤونها، حين اعتمد زعماء ثورة 1958، برنامج إرساء دعائم المجتمع المدني، للحد من دور العشيرة في الدولة.

لكنّ لأسباب سياسيّة ولضعف الدولة استعان نظام صدّام حسين بالعشائر مجدّداً، فسلّحها لتوطيد حكمه. وبعد عام 2003، ازدهر النّظام العشائريّ بسبب ضعف الدولة بعد سقوط نظام صدام، ومن جديد استعان رئيس الوزراء العراقيّ السابق نوري المالكي بالعشائر وللهدف القديم نفسه، وهو ما أكّده لوسائل الإعلام النائب المستقلّ في مجلس النوّاب صباح الساعدي في 12 كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2012، إذ قال: “أسلوب المالكي هو ذاته أسلوب الرئيس الرّاحل صدّام حسين في شراء أصوات شيوخ العشائر عبر منحهم المال والسلاح”.

إنّ الاهتمام بالعشيرة من قبل حكّام العراق أتاح لها التسلّح بحريّة وبناء نفوذها السياسيّ في السلطة والأحزاب السياسيّة. وعن أسباب توطّد هذا النفوذ، ذكر الباحث الأكاديمي في مركز “المستقبل للدراسات الاستراتيجية”، قحطان حسين طاهر في دراسة له عن دور العشائر العراقية في بناء الدولة العراقية الحديثة، أنّ “الدولة العراقيّة لجأت إلى توظيف العشيرة في شكل براغماتيّ، ممّا أضعف بالمقابل المؤسّسات الحكوميّة”.

وهذا الإضعاف لمؤسّسة الدولة جعلها مكتوفة الأيدي أمام النزاعات العشائريّة. وفي إحدى محاولات الدولة للحدّ من هذه النزاعات، زار وزير الدفاع خالد العبيدي مدينة البصرة في 8 حزيران/يونيو من عام 2015، داعياً إلى “نزع سلاح العشائر”، معترفاً بأنّ “هذه النزاعات تبعث رسائل سلبيّة تخدم الأعداء، في وقت يخوض فيه العراق الحرب على الإرهاب”.

ومن جهته، قال عضو لجنة العشائر البرلمانيّة النائب محمّد الصيهود لـ”المونيتور”: “إنّ دعوات نزع السلاح لم تنجح يوماً، بسبب عدم استجابة العشائر الّتي تجد في السلاح ضماناً لها في الدفاع عن نفسها، في حال حصول صدامات مسلّحة”.

ورأى أنّ “اقتناء السلاح ليس بظاهرة جديدة، بل هو جزء من أعراف وتقاليد إجتماعيّة راسخة منذ زمن بعيد، حيث تشعر العشيرة بالفخر من كثرة أعداد السلاح وتنوّعه بين أفرادها”.

ما يقوله الصيهود، يدعم الفكرة القائلة إنّ العراقيّين عبارة عن مجتمعات عشائريّة، لها قوانينها الخاصّة المستندة إلى العرف العشائريّ، حتّى باتت العشيرة سلطة إجتماعيّة موازية لسلطة الحكومة، وهي في الكثير من النزاعات العشائريّة أكثر فعاليّة من المؤسّسات الأمنيّة في حلّ القضايا الخلافيّة. بيد أنّ هذا الرأي لا يشير إلى أنّ النفوذ العشائريّ بات قويّاً بسبب ضعف الدولة، وهذا ما أكّده لـ”المونيتور” الباحث الإجتماعيّ قاسم محمّد قائلاّ: “هذا النفوذ زاد في الحقبة الزمنيّة بعد عام 2003، وهو العام الّذي سقط فيه نظام صدّام حسين، وصارت العشيرة تسيّر الكثير من الدوائر الحكوميّة بحكم العلاقات العشائريّة للمسؤولين الّذين يديرونها”.

أضاف: “العشيرة اشتركت في صفقات الفساد أيضاً، وبعض العشائر تدخّل في فضّ النزاعات السياسيّة وحماية المسؤولين المتّهمين بنشاطات خارجة عن القانون، وساهم في وقف الإجراءات القانونيّة ضدّهم عبر التسويات العشائريّة بدفع الديّة والتّعويض”.

إنّ خطورة النزاعات العشائريّة، بينما القوّات الأمنيّة تخوض معركة مصير ضدّ تنظيم “داعش”، أشار إليها رئيس المجلس الأعلى الإسلاميّ عمّار الحكيم في تصريحه إلى وسائل الإعلام في 26 آذار/مارس من عام 2015 بقوله: “الّذي يوجّه سلاحه إلى أخيه يدعم الإرهاب ويدعم داعش”.

إنّ فشل نزع أسلحة العشائر دفع النائب عن التّحالف الوطنيّ أحمد البدري للدعوة عبر “المونيتور” إلى “إشراك المؤسّسة الدينيّة في نزع فتيل المعارك العشائريّة وإقناعها بالتخلّي عن أسلحتها، نظراً إلى التّأثير الكبير للمراجع الدينيّة على تلك العشائر”.

كما اقترح أحمد البدري “الشروع في حملات توعية تطوّعية تقوم بها منظّمات المجتمع المدنيّ للتثقيف ضدّ العنف القبليّ والنزاعات الداخليّة”.

وإزاء هذا الإقتراح، أشار الشيخ ماجد الكلابي من عشيرة “الكلابيين” في بابل خلال حديثه لـ”المونيتور” إلى أنّ هناك “محاولات جادّة أرسى دعائمها بعض العشائر لوقف النزاعات عبر تبنّي مواثيق شرف تتعهّد فيها القبائل باللجوء إلى الحوار بدل الاقتتال، واللّجوء إلى القضاء ومؤسّسات الدولة لحلّ الخلافات”.

ومن جهته، أكّد الشيخ عبد الحسين الخفاجي لـ”المونيتور” , وهو أحد شيوخ عشار محافظة بابل، جنوبي بغداد، أنّ “كلّ تلك الإتّفاقات والمواثيق الّتي يتحدّث عنها الكلابي تصبح هباء مع أوّل إنطلاقة في أيّ نزاع عشائريّ”.

ولمّا كانت المشكلة العشائريّة مرتبطة اليوم بالسياسة والموقف من الدولة، فالأحرى بجميع السياسيّين والنوّاب والمسؤولين في الدولة وضع إنتماءاتهم العشائريّة والطائفيّة خلف ظهورهم وتقوية الوعي الإجتماعيّ إلى الهويّة الوطنيّة لتصبح بديلاً عن الهويّات الفرعيّة، العشائريّة والطائفيّة والإلتزام بالقانون، إذ أنّهما الكابح الوحيد لأيّ نزاع قبليّ أو مناطقيّ.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: