حتّى السفارة السعوديّة في بغداد لم تفتح بعد… مظاهرات ومواقف تطالب بإغلاقها!

هيئة التحرير 1.3K مشاهدات0

سفارة السعودية بالعراق

          في حزيران/يونيو من عام 2015، أعلنت السعوديّة أنّها تعتزم فتح سفارتها في بغداد، بعد قطيعة طالت 25 عاماً، وكانت قد مهّدت لهذا الإعلان زيارات لمسؤولين عراقييّن للرياض من بينهم رئيس الجمهوريّة فؤاد معصوم. وأعلن السفير السعوديّ في بغداد ثامر السبهان أنّ السفارة أكملت استعداداتها وستنطلق خلال أيّام، لكنّ قيام السعوديّة بإعدام رجل الدين الشيعيّ الشيخ نمر النّمر في 2 كانون الثاني/يناير غيّر مزاج الشارع العراقيّ تماماً، فتأجّج مجدّداً ضدّ السعوديّة، ورفعت مطالبات عدّة بغلق السفارة السعوديّة، الّتي لم يعلن عن افتتاحها رسميّاً بعد. وهذه المطالبات تنوّعت مصادرها بين أحزاب شيعيّة وميليشيات وقوى وشخصيّات إجتماعيّة مختلفة، إذ دعا زعيم التيّار الصدريّ مقتدى الصدر إلى القيام بتظاهرات أمام مقرّات السعوديّة ومصالحها في العراق، وطالب الحكومة بالإمتناع عن “فتح السفارة السعوديّة في عراقنا الحبيب فليس للظلم مكان بيننا”.

 القرار السعودي بتنفيذ حكم الإعدام على رجل الدين الشيعي الشيخ النمر وضع الموقف السياسي والديني المعتدل تجاه السعودية في العراق في وضع حرج.
بقلم علی معمورينشر يناير 25, 2016

وفي السياق نفسه، طالبت كتلة الدعوة النيابيّة بإغلاق السفارة السعوديّة (الّتي لم تبدأ بعملها رسميّاً) وإعدام المعتقلين السعوديّين في العراق المدانين بأعمال إرهابيّة، مقابل ما فعلته السعوديّة برجل الدين الشيعيّ الشيخ النّمر.

ودعت “حركة عصائب أهل الحقّ”، والّتي لديها نوّاب في البرلمان ومجموعة مسلّحة تشارك ضمن قوّات “الحشد الشعبيّ” في مقاتلة “داعش”، الحكومة العراقيّة إلى مراجعة قرارها في التّطبيع مع السعوديّة، إذ ليس هناك أيّ جدوى منه. وعدّ رئيس كتلة “بدر” النيابّة قاسم الأعرجي إعدام النّمر جريمة كبرى، مطالباً بقطع العلاقات الديبلوماسيّة مع الرياض فوراً.

وانعكست هذه المواقف بقوّة في مناطق مختلفة من المدن الشيعيّة في الوسط والجنوب، فخرجت المظاهرات مطالبة بقطع العلاقات الديبلوماسيّة كافّة مع السعوديّة، وتناولت الشعارات المرفوعة أمورأ أخرى مرتبطة بالسلوك السعوديّ في السنوات الأخيرة من قمع المعارضة الشيعيّة في البحرين والهجوم على اليمن ودعم الجماعات الجهاديّة المعارضة للحكومة السوريّة. ووصل الأمر إلى المطالبة بمقاطعة المنتجات السعوديّة. وفي العاصمة بغداد، حاول المتظاهرون الدخول إلى المنطقة الخضراء لاقتحام السفارة السعوديّة هناك، لكنّ القوّات الأمنيّة منعتهم من ذلك.

وإزاء هذه الحملة الإنفعاليّة في الشارع، اتّخذت الحكومة العراقيّة موقفاً آخر، إذ أبعدت نفسها عن العلاقات المتأزّمة بين إيران والسعوديّة إثر تنفيذ حكم الإعدام بالنّمر، والأحداث الّتي أعقبته من اقتحام السفارة السعوديّة في طهران، ثمّ قطع العلاقات بين البلدين، وامتنعت عن الإصغاء إلى مطالبات قطع العلاقات مع السعوديّة من قبل القوى الشيعيّة المقرّبة معظمها من إيران، ووصل الأمر إلى أنّ وزير الخارجيّة العراقيّ إبراهيم الجعفريّ عرض الوساطة بين إيران والسعوديّة في 6 كانون الثاني/يناير، لكنّ الطرفين لم يردّا على العرض.

وفي هذا السياق، قال المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة أحمد جمال في 5 كانون الثاني/يناير إنّ الجعفري خلال اتّصال هاتفيّ مع وزير الخارجيّة السعوديّ عادل الجبير أكّد له أنّ “البعثة السعوديّة في وضع أمنيّ جيّد، وأنّ الحكومة ملتزمة بحمايتها”.

والحال أنّ الموقف الرسميّ العراقيّ بدا غير مفهوم بالنّسبة إلى بعض الأوساط المتطرّفة، فرغم تنديده بتنفيذ حكم الإعدام بالنّمر، دعم موقف السعوديّة ضدّ إيران في البيان الختاميّ للجامعة العربيّة في 10 كانون الثاني/يناير.

ومن الواضح أنّ حكومة حيدر العبادي تحاول أن تتبنّى موقفاً وسطاً بين إيران والسعوديّة، وعدم الوقوف تحت المظلّة الإيرانيّة ضدّ السعوديّة بالكامل، وذلك لأسباب عدّة، تعود إلى ظروف العراق الحاليّة المعقّدة، كالحرب ضدّ “داعش” والأزمة الإقتصاديّة النّاتجة من تدنّي أسعار النّفط. ويبدو أنّ العبادي يريد الإحتفاظ بكلّ أنواع الدعم الممكن من كلّ الجهات لمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابيّ، الّذي يشكّل تحدّياً لوجود الدولة. ومن ناحية المواقف السياسيّة، تسلّم العبادي الحكم على أساس أنّه يمثّل موقفاً معتدلاً وتوافقيّاً، مقارنة بسلفه نوري المالكي، ممّا يستدعيه إلى إتّخاذ مواقف وسطيّة في الأزمات الداخليّة والإقليميّة.

وفي هذا السياق، نشير إلى أنّ للمرجع الشيعيّ علي السيستاني دوراً بارزاً في تسلّم العبادي مركزه الحاليّ، وهو من الداعمين لتطبيع العلاقات بين العراق والسعوديّة.

وكان البيان الّذي أصدره السيستاني بمناسبة مقتل النّمر يتّصف بالحكمة، إذ تجنّب تصعيد المواقف حذراً من إشعال الفتنة وتأجيج الصراع الطائفيّ القائم في المنطقة، والعراق تحديداً، فالموقف الرسميّ السياسيّ والدينيّ في العراق لا يدعم المواجهة مع السعوديّة، رغم وجود ضغوط شعبيّة واسعة مدعومة أحياناً من قبل جهات إقليميّة (إيران تحديداً) لعدم التّطبيع مع السعوديّة.

ومن النتائج السيّئة الّتي ترتّبت على قرار السعوديّة بتنفيذ حكم الإعدام بالنّمر أنّها صبّت زيتاً على نار لم تنطفء بعد في العلاقة بينها والعراق. ومثلما ساهم هذا الحدث في تأجيج المواقف ضدّ السعوديّة في المنطقة والعراق، وضع الموقف السياسيّ والدينيّ العراقيّ المعتدل تجاه السعوديّة تحت ضغوط جماهيريّة سبّبت له الحرج. والنّتيجة النهائيّة أنّ القرار السعوديّ أضعف المواقف المعتدلة في العراق والمنطقة إزاء المملكة لمصلحة المتطرّفين. وهذه النّتيجة تستدعي السعوديّة إلى تقويم الوضع الطائفيّ الحسّاس في المنطقة وعدم تقديم الذرائع إلى المتطرّفين وعدم إضعاف المواقف المعتدلة القادرة على الحوار والتّفاهم المشترك، تقديراً لمصالح بلدان المنطقة كلّها.

علي معموري

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: