مئات الآلاف من الطلبة يواجهون مصيرًا مجهولًا في العراق

هيئة التحرير 786 مشاهدات0

التعليم بالعراق

مضى أكثر من عام، على سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة من العراق، التي ما زال يقطنها مئات الآلاف من الطلبة بمختلف المراحل الدراسية، مع عوائلهم، بالرغم من موجات النزوح الهائلة التي شهدتها تلك المناطق، والذين تلاشت أحلامهم في إكمال مسيرتهم الدراسية في مناطق خرجت عن دائرة الاعتراف المحلي والدولي.

“معاذ محمد”، ذوي (15عاماً) وهو يعيش في مدينة القائم، غربي محافظة الأنبار، وأحد الذين تبددت أحلامهم في إكمال دراستهم وصولاً إلى كلية هندسة الحاسبات، يقول لـ”شبكة زدني”: “فضلت الجلوس في البيت والانشغال في مطالعة الكتب التي ورثتها عن والدي، على أن أدخل في مدارس يديرها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ولا تعترف بها الدولة العراقية ولا أية دولة أخرى، بمناهج ذات توجهات متشددة يركز عليها التنظيم”.

والحال ذاته ينطبق على الطالبة “عبير مصطفى”، ذات الستة عشر ربيعًا، التي التقى بها فريق “شبكة زدني”وتعيش في قضاء الحويجة التابع لمحافظة كركوك، التي اتخذت لنفسها ذات الطريق الذي فضل “معاذ” السير فيه؛ وهو الجلوس في البيت.

تقول “عبير”، إنها واجهت ظروف معيشية صعبة في حياتها الدراسية منذ مرحلة الابتدائية، لكنها حرصت على الالتزام بالدوام في المدرسة وتحضير دروسها بشكل يومي، والتفوق على زميلاتها في الكثير من المواد الدراسية، ولاسيما مادة الرياضيات التي كانت تعطيها دافعًا في أن تصبح يومًا من الأيام مدرسة رياضيات، وبتشجيع مستمر من عائلتها، لكن، وبحسب قولها، فإن ذلك الحلم ذهب بعيدًا؛ فنحن اليوم نفكر متى سنموت في منزلنا بعد أن عُزلنا عن العالم الخارجي تمامًا، وفقدنا الأمل في إعادة الوضع في المدينة إلى سابق عهده، ولا نستطيع أن نخرج من المدينة والسكن في مناطق أخرى من العراق، لأن حالة والدي المادية ضعيفة جدًا، وما يحصل عليه من دخل نعيش به أنا وعائلتي المكونة من خمسة أفراد.

مئات الآلاف من الطلبة يواجهون مصير مجهول

تفيد الجهات الرسمية في مناطق تواجد تنظيم داعش ومنها محافظة كروك، بأن هناك نحو ٦٠٠مدرسة في مناطق: الحويجة، والزاب، والعباسي، والرياض، والرشاد، والملتقى، جنوب غربي كركوك تقع خارج سيطرة الحكومة المحلية وتربية كركوك لأن تنظيم الدولة الاسلامية”داعش” يسيطر عليها بالكامل.

ويشير عضو مجلس المحافظة نجاة حسين إلى أن أغلب الكوادر التدريسية في تلك المدارس، المسيطر عليها هم من سكان مدينة كركوك، ولن يستطيعوا الوصول إلى مدارسهم ما دام التنظيم المسلح يسيطر عليها، مؤكدًا على أن الدراسة ستتوقف في تلك المدارس لحين تحرير مناطقهم من قبضة تنظيم داعش”.

وأوضح أن “هناك ٦٢٠ مدرسة هي خارج سلطة إدارة کرکوك ومديرية تربية المحافظة، تقع تحت سيطرة داعش كمدارس قضاء الحویجة، ونواحي: الزاب، والریاض، والعباسي، والرشاد، وعدد من المدارس في حدود قضاء داقوق”، فيما تؤكد مصادر أن “تلك المدارس الـ(٦٢٠) تضم نحو ١٣٠ ألف طالب وطالبة”.

أما في محافظة نينوى، فتؤكد مصادر رسمية حكومية على أن أكثر من 340 ألف طالب وطالبة في المحافظة أصبح مصيرهم مجهولًا بعد سيطرة تنظيم داعش، في حزيران 2014 على المحافظة بالكامل.

هذا، وتبقى هناك أعداد أخرى من المدارس، خارج الإحصائيات هذه، وهي لا تقل عن سابقاتها في بعض أقضية ومناطق محافظة صلاح الدين تقع تحت سيطرة تنظيم داعش، فيما لا تزال عدد من مدارس قرى محافظة ديالى معطلة تمامًا بعد أن خرجت من معارك استمرت لأشهر عدة.

التعليم في مدارس يسيطر عليها تنظيم الدولة

وعن الطريقة التي يدير بها تنظيم داعش المدارس التي تقع تحت سيطرته، يقول “أبو محمد”، وهو مدير مدرسة متقاعد، في إحدى مدارس قضاء القائم غربي الانبار، “إن الوضع التربوي مأساوي في مناطق غربي المحافظة، إذ أن أغلب المدن أصبحت خالية من السكان؛ ففي شارع واحد يضم 55 منزلًا، بقي الآن من 5 إلى 6 عوائل فقط، أما الآخرون فقد فضلوا مغادرة تلك المدن، ومن بقي منهم لا يجازف في إرسال أبنائه للالتحاق في المدارس لأن البعض منها أصبحت مقارًا لخزن السلاح، وإيواء عناصر التنظيم المتشدد، وأصبحت عرضة للقصف الجوي.

ويلفت أبو محمد إلى إن تلك المناطق أصبحت تعيش حالة من الفقر المدقع، بشكل لم تشهده من قبل، حتى في أيام الحصار الاقتصادي الذي استمر مفروضًا على العراق لـ 13 عامًا، إذ أن تنظيم داعش يدفع للمدرس الذي يدرس في مدارسه نحو 100 دولار فقط كمرتب شهري، في وقت يتقاضى زملائه في محافظات أخرى ما زالت تخضع لسيطرة الحكومة العراقية نحو 500 دولار وأكثر.

ويشير “أبو محمد” إلى أن التنظيم يفرض تعليمات مشددة على الطلبة والمدرسيين من الزي والهيئة ووقت الحضور والانصراف. ويلفت إلى أن التنظيم قام بطباعة منهج تعليمي جديد في سوريا، وفرضه على التعليم في مناطق سيطرته في العراق، بعد أن قام بإلغاء مواد دراسية عدة منها مواد: التاريخ، والجغرافية، والأحياء، وغيرها من المواد، التي يقول عنها، أنها جاءت عن طريق دول الغرب.

عملية تعليمية تسير نحو المجهول

يرى أكاديميون ومهتمون في الشأن التربوي، بأن العملية التعليمية في المناطق العراقية التي يسيطر عليها تنظيم داعش تسير نحو المجهول.

الأكاديمي العراقي “عبد الرزاق عمر”، يقول  إن مصير مئات الآلاف من الطلبة بمختلف المراحل الدراسية، بات مجهولًا لا يُعرف عن مستقبله شيئًا. ويلفت إلى أن التعليم في تلك المناطق يأخذ منحى خطيرًا للغاية؛ ما يشكل تناميًا كبيرًا في نسبة الأمية والانحدار الثقافي، بمناطق شهدت لفترات طويلة من الزمن ازدهارًا في التعليم، والقضاء على الأمية؛ وخرجت منها كفاءات علمية في مجالات الأدب، والهندسة، والطب، والجغرافيا، والشريعة، وغيرها من العلوم الصرفة والإنسانية، وذاع صيتهم في جميع أصقاع العالم.

مدارس غير معترف بتعليمها “وزاريًا”

من جهته أكد مصدر مسؤول في وزارة التربية العراقية،  أن الوزارة اتخذت قرارًا منذ سيطرة “داعش” على مناطق عراقية في حزيران 2014، بعدم الاعتراف بأية مدرسة تقع تحت سلطة ذلك التنظيم، وهي محافظة نينوى، وأجزاء من محافظات (الانبار، وكركوك وصلاح الدين)، مشيرًا إلى أن الحكومة قطعت الرواتب التي تعطى للمدرسين الذين مازالوا يمارسون مهامهم في تلك المدارس تحت سلطة تنظيم الدولة، التي يرفضها العالم بأسره، التي جاءت وحكمت بعض المدن العراقية بواسطة السلاح.

وأوضح المصدر، وهو بدرجة مدير عام في الوزارة فضل عدم ذكر اسمه، أن “طلبة تلك المناطق يواجهون أسوأ مرحلة عرفها التاريخ الحديث، بترك مدارسهم والعزوف عن الالتحاق بها، بعد أن غير التنظيم مناهجها، وإدارتها، نحو التشدد والتطرف، محذرًا من خطورة ذلك على أجيال تلك المناطق وتأخرهم عن أقرانهم في المحافظات الأخرى من العراق والتي تشهد وضعًا أمنيًا مستقرًا نسبيًا”.

حزمة حلول حكومية

الجهات الحكومية ممثلة بوزارة التربية العراقية، وعدت باتخاذ إجراءات لمعالجة مشكلة الطلبة المتواجدين في مناطق سيطرة تنظيم “داعش”، وأعلن وزير التربية، “محمد إقبال”، في بيان سابق له، أنه “نتيجة للظروف الصعبة التي يمر بها طلبة نينوى والمحافظات الساخنة الأخرى خلال العام الحالي، فإن الوزارة تعمل على إيجاد الحلول المناسبة والقانونية، لإنصاف الطلبة المتواجدين داخل تلك المحافظات”.

وأضاف “إقبال” ذو الأصول الموصلية، أن “الوزارة تسابق الزمن من أجل استكمال جميع الإجراءات اللازمة، وتقديم حزمة من الحلول لإقرارها، مبينًا أن وزارته تسعى لإيجاد فرصة جديدة للطلبة من أجل الحفاظ على مستقبلهم من الضياع”.

وفي السياق ذاته، قال وكيل الوزارة لشؤون التخطيط، “نايف ثامر”، في بيان له، إن الوزارة “خيرت جميع طلبة الموصل بإجراء الامتحانات في أية مدينة هم يختارونها، على أن تكون تحت سيطرة الحكومة العراقية، مع منحهم درجة 100 في المئة في الامتحانات التي يجرونها بعيدًا عن درجات السعي لمدار السنة (درجات يحصل عليها الطلاب خلال العام الدراسي)”.

وبعد كل تلك الإجراءات التي تسعى الحكومة من خلالها إلى حل مشكلة الطلبة في المناطق الساخنة، يبقى مصير مئات الآلاف منهم مجهولاً، ولا يستطيع أحد التكهن إلى ما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل لتعود الحياة التعليمية لتأخذ مجراها، كما حصل في مناطق بمحافظة صلاح الدين وأبرزها مدينة تكريت مركز المحافظة التي عادت إلى سيطرة الحكومة العراقية بعد أن خرجت عنها لمدة تجاوزت السنة.

وفيما سارعت الجهات الرسمية إلى التوجيه بإعادة الأملاك التربوية والتعليمية إلى تلك المناطق، وافتتاح المدارس لمزاولة مهامها في العام الدراسي الجديد 2015 -2016، رجحت جهات تربوية أن يُقْبِل الطلبة إلى المدارس في العام الجديد بدافع كبير، لتعويض ما فاتهم في العام الماضي بتشجيع من أولياء الأمور وحرص وإصرار من الطلبة أنفسهم، لأن التجارب السابقة في مراحل شهدها العراق، أثبتت في غالبها أن كل نكبة أو ظروف قاسية تعقبها مراحل النجاح والازدهار.

 

 

شبكة زدني

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: