تصريحات السفير السعودي في العراق خطأ أم بداية لمرحلة جديدة بين البلدين؟

هيئة التحرير 2.5K مشاهدات0

ثامر السبهان

خاص ..

بعد التصريحات المباشرة للسفير السعودي في العراق ثامر السبهان حول عمليات التطهير الطائفي التي يعيشها العراق وتحديداً ديالى منه أضحت العلاقات العراقية – السعودية مثار اهتمام الاعلام المحلي والإقليمي.

فالأول –والقريب من الحكومة في جزئه الأكبر- إتهم السفير بالتدخل في الشؤون العراقية وطالب بطرده من البلاد، فيما الثاني بات يتحدث عن دور سعودي قادم في العراق يستدرك إهمال المملكة للملف العراقي وعدم إعطاءه الحجم الذي يستحقه منذ احتلاله على يد الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003.

إلاّ أننا ولنفهم الصورة على حقيقتها لابد لنا من الابتعاد قليلاً عن شاشات التلفاز وترك صفحات التواصل الاجتماعي لندرس المعطيات الحقيقية للمشهد القائم بين البلدين محاولين استشراف ما ستؤول إليه الأمور في منطقتنا المشتعلة من أقصاها إلى أقصاها.

قد لا يكون اختيار المملكة للسبهان سفيراً لها في العراق أمراً إعتباطياً، لاسيما وأن الرجل ذو خلفية عسكرية، وهؤلاء لهم تربيتهم الخاصة التي تميزهم عن كل فئات المجتمع.

كذلك فإن الهدوء والتروي يشكلاً سمتاً عاماً للسياسة الخارجية السعودية، ويكفينا دليلاً أن وزير الخارجية السابق للملكة المرحوم سعود الفيصل إستمر في منصبه أكثر من ثلاثة عقود وهو مؤشر مهم على حالة الاستقرار في السياسة الخارجية وثبات المنطلقات الحاكمة للمملكة إضافةً لهدوئها المستمد من شخصية الفيصل آنذاك.

معطاً آخر للمشهد العراقي – السعودي يتمثل في أن التصريحات التي أدلى بها السفير ثامر السبهان تأتي في وقت يشهد فيه الإقليم نمواً مضطرداً في الدور السعودي على المستوى الإقليمي، فدور ظاهر في اليمن وآخر داعم في سوريا وهناك دور خفي في لبنان.. عليه فالتصعيد على مستوى العراق أمر ليس بمستغرب بل إنه يأتي في ذات السياق.

فالسعودية اليوم قادمة بقوة للدخول على ملفات المنطقة، بل هي تمارس دوراً فعلياً وإن اختلفت مستوياته.. وهذا يعود بالأساس إلى جملة أمور يمكن إدراجها كالآتي:

  1. الاتفاق النووي الإيراني الذي أظهر للمملكة أن الولايات المتحدة قد تساوم إيران وتمنحها جزء من النفوذ في المنطقة وهو ما صدم الدول الخليجية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي عبرت عن اعتراضها بتقليل مستوى الوفد الممثل لها خلال قمة كامب ديفيد الخليجية – الأمريكية مع الرئيس الأمريكي.
  2. التغيير الذي طال هرم السلطة في المملكة بمجيء الملك سلمان خلفاً للراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز وما رافق استلام الأول للسلطة من تغييرات في شخوص السلطة في المملكة.
  3. قرب الخطر من حدود المملكة بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء وعدن وورود معلومات عن تحرك ميليشيات عراقية قرب الحدود العراقية – السعودية.

إذاً مرحلة جديدة باتت تمر بها السياسة الخارجية السعودية وتنتقل فيها مما كان يسميه البعض محاولة “الحد من الضرر” إلى “إيقاف الضرر” ومنعه من الوصول إليها وإلى أماكن نفوذها.

في ضوء ما تقدم من معطيات يمكننا أن نضع تصوراً لمدلول التصريح الذي أدلى به السفير ثامر السبهان، والذي سنحاول قراءته ضمن اتجاهين:

الأول: أن التصريح الذي أدلى به السفير لم يكن أكثر من مجرد تصريح وهو لا يحمل في طياته أي مؤشر على تحوّل أو تغيّر في السياسة الخارجية السعودية، فالمملكة ترى الحكومة العراقية ذات نهج طائفي وعبرت عن رفضها لهذا النهج لأكثر من مرة، عملياً عندما رفض الملك عبد الله بن عبد العزيز استقبال رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي وتصريحاً عندما أتهم وزير الخارجية السابق سعود الفيصل الحكومة العراقية بانتهاجها سياسة التمييز الطائفي.

الثاني: أن ما صرّح به السفير هو الجزء الظاهر من جبل الجليد، فيما يختفي أسفل السطح ترتيب سعودي جديد للمنطقة لن يكون العراق بعيداً عنه، فالسعودية اليوم تدرك أن العراق كان الممول الرئيس للنظام السوري في حربه مع المعارضة.

كما أن العراق يشكل أحد أهم الممولين للقطاع البشري المساند للجانب السوري في حربه مع المعارضة وتحت إشراف إيراني.

كذلك فإن صوت العراق السياسي اليوم وفي كل المحافل يأتي مسانداً للسياسة الإيرانية ومخالفاً لكل التوجه العربي الذي يكاد يقاد من المملكة بكليّته.

بالتالي فالسبهان لم يتحدث إلاّ بما يعبر عن السياسة السعودية الجديدة في المنطقة والتي سيكون للعراق نصيبه الأكبر منها للأسباب التي ذكرناها أعلاه.

وبين الإتجاهين السالفين يمكننا أن نبني تصورنا وموقفنا مما أدلى به السفير السعودي، فالاتجاه الأول لا يعد واقعياً وفق المعطيات التي وضعناها في مقدمة كلامنا عن السياسة الخارجية السعودية التي أتسمت بالهدوء والتروي، ولا تصرّح إلاّ عندما يجد الجد.

فيما يكون الاتجاه الثاني أقرب إلى الواقع وفقاً للمعطيات التي بين أيدينا، ويساند هذا الاتجاه توجهات سعودية اقتصادية تتمثل بإغراق السوق النفطية وخفض سعر برميل النفط بشكل مدمّر للاقتصاد العراقي الذي يمر في أزمة حقيقية مع استمرار الحرب ضد تنظيم داعش، فيما ترفض المنظمات الدولية مساندته بالقروض طويلة الأجل حتى وإن تعاظمت فوائدها.

وقد تكون تصريحات السفير السعودي إستفزازاً للطبقة الشيعية الحاكمة والتي قد تدفع للاعتداء على السفارة السعودية كما حصل في طهران لينعكس الأمر عزلة سياسية لهذا البلد كما حصل بالنسبة لإيران.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: