في العراق.. جرائم دولية أمام الأنظار

هيئة التحرير 2.5K مشاهدات0

في العراق.. جرائم دولية أمام الأنظار

خاص

شكل احتلال داعش لأجزاء من العراق محطّة مهمة سلطت الضوء على العديد من الانتهاكات التي كانت ترتكبها القوات النظامية العراقية بعيداً عن أنظار وسائل الاعلام.
ورصدت العديد من المنظمات الحقوقية لاسيما هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية العديد من الأعمال التي اركبتها القوات الحكومية خلال مواجهتها مع داعش وتعد إنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وفقاً للاتفاقات والمعايير الدولية، بل إنها تصل إلى الحد الذي يمكن اعتباره جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
الحكومة ترتكب جرائم حرب
بالعودة إلى الاتفاقيات الدولية الضابطة لواقع للعمليات العسكرية للجيوش وقت الحروب فإن الحكومة وعن طريق أجهزتها الأمنية التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع ارتكبت عدة جرائم وفقاً للمواثيق الدولية، والتي سندرجها وكالآتي:

جنود الجيش العراقي يعاملون المواطنين بطريقة مهينة
جنود الجيش العراقي يعاملون المواطنين بطريقة مهينة

1. الاعتداء على المدنيين: أشارت اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 إلى ضرورة تقرير الحماية للمدنيين أثناء الحروب وعدم جواز قتلهم أو إساءة معاملتهم.
وهذه الجريمة ارتكبتها القوات النظامية العراقية خلال المواجهات مع داعش وفي أكثر من ساحة مواجهة، أولها مدينة الفلوجة التي لا زالت لغاية هذه اللحظة تقدم الضحايا من المدنيين بسبب القصف الحكومي المستمر عليها منذ أكثر من عام حتى بلغ عدد ضحاياها (3429) قتيل بينهم (317) امرأة و (504) طفل، أما الجرحى فكان عددهم (5653) جريح بينهم (728) امرأة جريحة و (863) طفل جريح.
فيما كان هناك العديد من المدنيين الذين سقطوا في الأنبار وصلاح الدين ونينوى إلاّ أنه لا توجد إحصائيات دقيقة وموثوقة عن عدد المدنيين الذين سقطوا هناك.

 

 

 

طفل عراقي تم اقتله من قبل قوات الجيش على انه قناص يعمل مع داعش
طفل عراقي تم اقتله من قبل قوات الجيش على انه قناص يعمل مع داعش

2. إساءة معاملة ضحايا الحروب: إذ اهتمت العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية بالأسرى أثناء النزاعات المسلحة، ومنها اتفاقية لاهاي لسنة 1899 واتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949 التي نصت المادة الثالثة المشتركة من الاتفاقيات التي أشارت ضرورة “حماية الأسرى وعدم المساس بهم فحرمت قتلهم أو المساس بسلامة أجسامهم أو شرفهم أو عرضهم أو أخذ الأسرى كرهائن أو معاقبة الأسرى بغير محاكمة أو وضعهم في السجون أو أماكن غير صحية أو إكراه الأسرى على الإدلاء بمعلومات”.
وهذا الأمر وقع تقريباً في كل المواجهات التي شاركت فيها قوات نظامية بمواجهة داعش، إذ كان المدنيون الذين يعيشون في أماكن تسيطر عليها داعش عرضة للتصفية الجسدية والتعذيب على يد عناصر القوات الحكومية من جيش أو شرطة اتحادية، وأظهرت مقاطع فديو مسرّبة عمليات تعذيب وقتل تمت بحق مدنيين ليسوا مسلحين بأي شكل من الأشكال، فيما تم التعامل مع جثث الضحايا بالحرق أو أحياناً بتقطيع جثمان الضحية بالسيوف على يد جنود ومنتسبين للقوات الحكومية، على الرغم من أن الاتفاقيتين الأولى والثانية من اتفاقية جنيف لسنة 1949 قد حرّمت “التمثيل بجثث الموتى”.

 

 

اطفال تم الزج بهم في ساحة المعركة
اطفال تم الزج بهم في ساحة المعركة

3. جريمة تجنيد الأطفال واستخدام المجاميع غير النظامية: بسبب النقص في عدد المقاتلين وتفكك هيكلية الجيش النظامي التي نجمت عن سيطرة داعش على مساحة تقدر بثلث العراق، لجأت الحكومة العراقية وتحت غطاء شرعي تمثل بفتوى المرجعية الشيعية بـ(الجهاد الكفائي) إلى تشكيل الحشد الشعبي والذي هو عبارة عن مجاميع مسلحة غير نظامية.
بل إن العديد من الفصائل التي أنضوت تحت لافتة الحشد الشعبي جنّدت أطفال ضمن عناصرها، وهذا يمثل إنتهاكاً للمعاهدات الدولية الخاصة بتنظيم الحروب.
جرائم ضد الإنسانية

 

 

ما تقدم يمكن وضعه من الناحية القانونية ضمن خانة جرائم الحرب التي أرتكبتها القوات التابعة للحكومة العراقية خلال المواجهة مع داعش والتي كانت في جلها تستهدف المواطنين القاطنين في المحافظات التي سيطرت عليها داعش، إلاّ أن هناك جرائم تصنّف بأنها (جرائم ضد الإنسانية) من الناحية القانونية، والتي يمكن تحديدها بالآتي:
1. جريمة إبادة الجنس: تظهر العمليات العسكرية التي تشنها القوات التابعة للحكومة العراقية أنها تنتهج تصرفات من شأنها تحقيق الإبادة الكلية أو الجزئية لجماعة من الناس، وهذا ما تبينه اتفاقية (إبادة الجنس) في مادتها الثانية.
إذ دأبت القوات الحكومية على استخدام الأسلحة التي من شأنها إيقاع أكبر قدر ممكن من الضحايا كالبراميل المتفجرة التي أستخدمت في الفلوجة، أو القصف العشوائي على المدن بدعوى إستهداف داعش.
كذلك تشكل عملية محاصرة المدن والسعي لفرض ظروف معيشية سيئة على المدن المأهولة بالسكان إحدى مظاهر إبادة الجنس البشري، وهذا حصل لأكثر من مرة في الفلوجة وتكريت والرمادي وحديثة التي تجاوز فيها سعر كيس الطحين الـ(700$) بسبب حصار قوات الجزيرة والبادية التابعة للجيش العراقي لها.
2. التفرقة أو الفصل العنصري: ربما تشكل هذه الجريمة واحدة من أكثر الجرائم إرتكاباً في العراق منذ الاحتلال الأمريكي له عام 2003، ومضمون هذه الجريمة لجوء نظام معيّن إلى “التفرقة في معاملة فرد أو أفراد معينين ينتمون إلى جنس أو لون أو عقيدة معينة سواء كانت سياسية أو دينية أو ثقافية أو فكرية وحرمانهم من بعض الحقوق الأساسية”.
وتصور أن العراق وخلال أزمة نزوح العوائل من المحافظات التي شهدت سيطرت داعش عاش أكبر عملية تمييز بين أفراده على أساس الطائفة، فالحكومة نقلت نازحي تلعفر “الشيعة” بالطائرات من أربيل إلى بغداد أو المحافظات الجنوبية، فيما كان على العوائل السنية الحصول على كفيل لدخول العاصمة بغداد، ليقضي عدد منهم أياماً طويلة على معبر “بزيبز” منتظراً إذن الدخول للعاصمة والذي لم يحصل الآلاف منهم عليه.
3. جريمة إبعاد السكان أو النقل القسري: عد هذا الفعل جريمة من الناحية القانونية وفقاً لـ(نظام روما الأساسي) والذي أشار بمادته السابعة فقرة (د) إليها، إذ عرفتها الفقرة بأنها “إبعاد السكان أو النقل القسري أو الإجباري من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة بالطرد منها أو بأي فعل قسري (إجباري) أو قهري آخر دون مبررات يسمح بها القانون الدولي كما في أحوال الحروب أو الأوبئة أو إنتشار الأمراض أو غير ذلك من حالات الضرورة”.
وإذا ما اتفقنا على صحة هذا التصرف عند المواجهة مع داعش، إلاّ أن القوات التابعة للحكومة العراقيّة والمجاميع التابعة لها منعت سكان العديد من المناطق تحديداً في محافظة ديالى من العودة إلى أماكن سكناهم والذين ينتمون تحديداً إلى الطائفة السنية.
ومن تلك المناطق ناحيتي السعدية وجلولاء اللتين توقفت فيهما العمليات العسكرية منذ أشهر دون أن يسمح لسكانهما بالعودة إليهما إلاّ بعد وساطات وتدخل من شخصيات سياسية، ولا زال التهجير إلى الآن مستمر وتساهم فيه مجاميع مسلحة غير نظامية أو ما يطلق عليها بـ(الميليشيات).
4. جريمة التعذيب: طبقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة (المادة 7/ و) والمقصود بالتعذيب تعمد إلحاق ألم شديد أو معاناة شديدة سواء بدنياً أو عقلياً بشخص موجود تحت إشراف المتهم أو سيطرته.
وهذه الجريمة ثابتة على القوات الحكومية التي عادةً ما تذيق معتقليها أشد العقوبات إذا ما سقطوا بأيديها، وهذه الجريمة ترتكب اليوم بحق أبناء المحافظات المسيطر عليها من قبل داعش لاسيما من قبل نقاط التفتيش الواقعة على الطريق بين بغداد والمحافظات الواقعة إلى الشمال منها.
ووصل الحد بالقوات التابعة للحكومة إلى تقطيع يد عدد من أبناء الرمادي أثناء التحقيق معهم أو حرق أطرافهم لإجبارهم على الإدلاء باعترافات عن أعمال لم يرتكبوها.
5. السجن والحرمان من الحرية البدنية: لقد نصّ نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على هذه الجريمة، أما بخصوص إرتكابها من قبل القوات التابعة للحكومة العراقية فإنها نفذت بشكل واسع.
وهناك إضافة إلى ذلك معتقلات غير نظامية تشرف عليها مجاميع ميليشياوية كالمعتقل الموجود قرب بحيرة الرزازة قرب مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار والذي وإلى فترة قريبة كان يحتجز فيه (1300) مواطن من أهالي الأنبار ولم يفرج إلى على العشرات منهم وبجهود سياسية ولم يعرف إلى الآن حقيقة هذا المعتقل والهدف منه.
إن ما سبق من جرائم حرب وضد الإنسانية ارتكبتها وترتكبها الحكومة سواء عبر قواتها النظامية التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع أو التشكلات غير النظامية التي تقاتل اليوم إلى صفوفها عبر المواجهة مع تنظيم داعش رصدت من قبل منظمات دولية إنسانية وحقوقية، إلاّ أنها لم تحرّك كملفات قضائية أمام جهات حقوقية دولية كالمحكمة الجنائية الدولية لأسباب عدة قد لا نكون في مجال الحديث عنها إلاّ أنه لابد من جهد حقوقي لجمع الوثائق والصور ومقاطع الفديو التي تدين المجاميع والتشكيلات المسلحة التي تعمل تحت لوائها.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: