القصة الكاملة لديالى والاستهداف الديموغرافي لها

هيئة التحرير 1.6K مشاهدات0

ديالى

  

     

     في محافظة ديالي العراقية، ذات الأغلبية السنية، تشير التقارير إلى عملية تغيير ديموغرافي تجري على أساس مذهبي من قبل الميليشيات الشيعية العراقية منذ استعادة الحكومة السيطرة على المحاظفة من يد تنظيم الدولة الإسلامية في يناير الماضي.

وتعد ديالى هي المحافظة العراقية الأقرب لإيران، وتقطنها أغلبية سنية، ومع ما تمثله المحافظة من عمق استراتيجي بالنسبة إلى إيران، فإن خبراء يشيرون إلى دعم إيراني بتحركات الميليشيات الشيعية من أجل إحكام السيطرة على المحافظة الإستراتيجية بالنسبة لها.

 

(1) بداية القصة

في الخامس والعشرين من يناير الماضي، استعادت الحكومة العراقية محافظة ديالى بالكامل من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ومباشرة بعد هذا التحرر عاودت المليشيات الشيعية عملياتها في المحافظة.

“العصائب” و”بدر” و”حزب الله ـ العراق”و” خراسان”، أبرز الميلشيات العراقية  التي تقف خلف عمليات القتل والخطف والتهجير في ديالي،وفقا لما تشير إليه التقارير.  تُحكم هذه الميلشيات المقدر عددها بالآلاف سيطرتها على مناطق متعددة من ديالي بشكل علني. تقوم بتفجيرات مستمرة ضخمة يقع ضحيتها العشرات من القتلى، أغلبهم من السنة، مع حملات اعتقالات تستهدف الشباب السُنّي، إضافة إلى عمليات الإعدام والاغتيالات وتهجير السنة وتفجير مساجدهم. وأحيانا بقتل المشايخ والأئمة والخطباء، ومنهم الشيخ عبد الرحمن الدليمي الذي قتل بعد “أن رفض تعليمات الحشد الشعبي بإغلاق مسجده وعدم إقامة صلاة الجمعة فيه”.

وقد تم توثيق عدد من المجازر أبرزها مجزرة مسجد مصعب بن عمير، والتي قتل فيها70  عراقيا أثناء صلاة الجمعة، وحرقت منازل الأهالي في منطقة سبع البور شمال غرب بغداد، وسجلت لها جريمة وصفت بالإبادة الجماعية في جامع سارية، وفجرت مقهى في بلدة المقدادية، راح ضحية الانفجار أكثر من 60  قتيلا وجريحاً أثناء مشاهدتهم مباراة لكرة القدم.

كما تقوم الميلشيات بحملة اغتيالات تستهدف من المثقفين والصحفيين من أبناء المحافظة، آخر جرائمهم ضد الصحفيين، قتل مراسل ومصور لفضائية الشرقية بعد اختطافهما من قبل مسلحين يستقلون سيارات حكومية ويرتدون زي الحشد الشعبي.

وقامت هذه الميلشيات بإحراق وتفجير مساجد عديدة في ديالي، مثل  مسجد القادسية ومسجد المقدادية الكبير ومسجد الأورفلي ومسجد العروبة ومسجد القدس ومسجد مثنى الشيباني، بل تمنع الصلاة في مساجد السنة خاصة صلاة جمعة، وقد فجرت في ليلة واحدة تسع مساجد في محافظة ديالى، وهي مساجد تتبع ديوان الوقف السني في العراق.

 

(2) تواطؤ حكومي

بينما يظهر الحال وكأنه عجز من قبل الحكومة العراقية عن حفظ أمن العراقيين في ديالي، تُتهم الحكومة العراقية بالتواطؤ مع المليشيات الشيعية التي تقف وراء الجرائم الطائفية في السنوات الماضية، وتسببت في مقتل آلاف السكان، وتهجيرهم.

فالدلائل على أن الحكومة العراقية تقوم تسهيل مهام هذه الميلشيات واضحة، مسلحو الميلشيات يستخدمون سيارات سوداء تحمل لوحات تسجيل حكومية عند تنفيذ جرائمهم، وتتم عمليات بيع أملاك المهجرين بأسعار بخسة على مرآي دوائر الحكومة الحكومية، التي تقول لمشايخ ووجهاء المحافظة الذين يستنجدون بها أن لديها قيود تحول دون تحركها، وهي ترى جرافات الميلشيات تدمر أراضي ديالي. ووصل الأمر لحد اتهام رئيس الحكومة السابق نوري المالكي الذي استمر بالحكم ثمانية سنوات بـ”توزيع قطع أراضٍ لمواطنين وموظفين من سكان جنوب العراق في ديالى، بصورة مخالفة للقانون، تدلّ على وجود مؤامرة طائفية بحق المحافظة”.

لم يوقف رحيل المالكي مسلسل التطهير العرقي ضد المحافظة، ووصل لأوجه وقت سيطر تنظيم الدولة عليها، إذ تحججت المليشيات الشيعية لتبرير عملياتها الإجرامية بأنها تحارب التنظيم، وتزايد التواطؤ الحكومية حتى بعد تحرير المحاظفة من قبضة تنظيم الدولة، إذ لم يتًمكن النازحون من العودة إلى ديارهم بديالي، وصمتت بشكل واضح عن عمليات التهجير التي تبعت خروج تنظيم الدولة من المحاظفة، وعقب على تلك النقطة بالتحديد زعيم منظمة بدر الشيعية هادي العامري، حين قال:”إن مجلس محافظة ديالى هو الجهة التي تتخذ الإجراءات التي تراها مناسبة بشأن عودة النازحين السنّة، الأجهزة الأمنية لديها قيود جنائية وقضايا إرهابية على أغلب النازحين”.

وكما يقول عضو مجلس شيوخ محافظة ديالى، الشيخ محمود النداوي: إن “الحكومة عمدت إلى عدم تسليح العشائر السنية في ديالى والمحافظات الأخرى، مقابل تسليح المليشيات الطائفية تحت مسمى (الحشد الشعبي)، ليتسنى لهم إحداث تغيير ديمغرافي كما يحلو لهم من دون أي مقاومة تذكر”، متهمًا الحكومة العراقية بـ”الوقوف خلف مخطط تقسيم المحافظة وإقصاء المكون السنّي منها”.

ويوثق مركز بغداد لحقوق الإنسان”قيام السلطات المحلية في محافظة ديالى بتجريف أكثر من 160  دونماً من البساتين الزراعية المملوكة لأبناء العشائر السنية، خلال الأشهر الثلاث الماضية، إضافة إلى منع أهلها من بيع محاصيلهم من البساتين أو محاصيل الخضروات، وتعرض عدد منهم لجرائم القتل والخطف والسرقة على يد المليشيات الطائفية”، وأضاف بيان المركز:”إن السلطات الحكومية في محافظة ديالى استخدمت وسائل جديدة كأداة لجرائم الاستهداف الطائفي، وآخر تلك الوسائل والأدوات تجريف مساحات شاسعة من بساتين أبناء العشائر السنية في قرية المخيسة بقضاء المقدادية، فضلاً عن استمرار جرائم الخطف والقتل والتهجير والقصف ضد المدنيين وسط تجاهل القضاء العراقي دعاوى أصحاب الحق الشخصي ضد المتهمين بتلك الجرائم”.

(3) مصالح إيرانية

ديالى

“أقصر الطرق من إيران إلى بغداد “، هكذا وصف موقع محافظة ديالي الاستراتيجي، فهي الجسر الذي يربط أقرب منفذ إيراني بالعاصمة العراقية “بغداد”، حتي قدر الوقت المستغرق للوصول بينهما بالسيارة العادية ساعة – من قصر شيرين الإيراني إليه بغداد – وهي أيضًا الخاصرة الشرقية الحساسة للعراق، إذ تمثل مساحتها الجغرافية مثلثُا بين إقليم كردستان العراق وبغداد وإيران، لذلك تدرك إيران أن ديالى العراقية ممر استراتيجي لتحقيق أطماعها في العراق وغيره.

يقطن ديالي نحو 1.5 مليون نسمة غالبيتهم من العرب السُنة، وتقول المصادر العراقية أن نسبة السنة في ديالي ما بين65  % إلى  70 % كما يوجد العديد من الطوائف والقوميات من كرد وتركمان لذلك توصف ديالي بأنها “عراق مصغر”، يتركز السنة في ديالي في بعقوبة التي تعد عاصمة المحافظة، والمدن الشمالية والشمالية الشرقية، بينما يوجد الأكراد والتركمان في أمرلي وبلد روز وخانقين وقزانية، ويتواجد الشيعة في بلدات خرنابات والهويدر وكنعان، إلا أن الخطوات الإيرانية أخذت تنقلهم إلى بعقوبة وأبو صيدا وسنسل، وفي المحصلة فإن التركيبة السكانية لهذه المناطق تعد مناوئة لإيران، لذا يشير المحللون إلى رغبته في إعادة تشكيل ديموغرافية المحافظة بهدف صناعة حزام أمني، وهو ما تؤكده تصريحات زعيم منظمة بدر الشيعية هادي العامري: “انسوا أن محافظة ديالى سنية”.

(4) حضور إيراني

 

ديالى

كما سبق وذكرنا، أدركت إيران أهمية محافظة ديالي فخصتها بالكثير من الاهتمام الذي يساعد على إحكام السيطرة عليها، حتى أصبح الحضور الأمني والسياسي لإيران واضح للعيان، ينتشر في المحافظة قوى وأحزاب وميليشيات شيعية عراقية موالبة للحكومة الإيرانية.

يمكننا قبل الحديث عن السيطرة السياسية والمسلحة على المحافظة التطرق إلى الحضور الاقتصادي والثقافي لإيران في ديالي؛ إذ يوجد في المحافظة منفذ “المنذرية”، وهو منفذ حدودي كبير يمر عبره المسافرين والبضائع الإيرانية إلى العراق، استغلت إيران هذا المعبر لتتوسع على حساب حقول النفط العراقية بعد عام  2003، أنشأت ما سمته  “حقول نفط مشتركة” التي وافق علي إنشائها وزير النفط سابقا ونائب رئيس الوزراء لشئون الطاقة حسين الشهرستاني، وهو يصنف من الموالين لإيران، واستغلت إيران سيطرتها الاقتصادية على ديالي في أزمة عرفت بـ “تعمد الجانب الإيراني قطع مياه الأنهار المشتركة – أبرزها نهر الوند-  مع العراق والمارة بمحافظة ديالى”.

أما ثقافيًا، فقد افتتحت إيران ثلاثة مكاتب ثقافية داخل المحافظة، وبذلك يكون انتشارها الثقافي في المحافظة أبرز من النجف وكربلاء والبصرة، فهي محافظات تحتوي فقط على مكتب واحد إيراني يمارس نشاط ثقافي وديني.

أما سياسيًا، فيبدو دور فيلق القدس الإيراني واضح جدًا في مناطق شرقي محافظة ديالى، أنشأ الفيلق غرفة عمليات في قضاء الخالص، يشرف عليها القيادي الإيراني قاسم سليماني، ويرأسها زعيم منظمة بدر النائب هادي العامري، وآخرون، بينهم ثلاثة ضباط إيرانيون، وتقدر المصادر العراقية عدد العناصر التابعة لهذه الغرفة أكثر من 30 ألف مسلح من مليشيا بدر، وعصائب أهل الحق، ومجاميع مسلحة من حزب الله وكتائب العباس وسرايا الزهراء وفصائل أهل البيت.

وتؤكد المصادر العراقية أن الفيلق يعمل بكل أريحية على إبعاد الكتل البشرية السنية عن الحدود الإيرانية، بهدف تفريغ السكان الأصليين، ثم يقوم بجلب عراقيين من الشيعة من خارج المحافظة فقط لإسكانهم، ويعد أبرز التحركات في هذا المخطط هو ما يعرفه سكان المحافظة من عمليات إسكان تخص منتسبي الحشد الشيعي، وبدأ هؤلاء يستوطنون في السعدية والمنصورية وجلولاء وقراها الممتدة من المقدادية إلى خانقين.

تعمل هذه “الغرفة” مع غرفتين أخرتين، واحدة نشأت في ناحية العظيم، والثانية في ناحية المنصورية، وتقوم الغرف الثلاثة المشتركة بعمليات التطهير الطائفي ضد السنة، وترتفع بجهدها وتيرة التهجير الذي سيحقق في النهاية تغيير ديموغرافي تخطط له إيران، ويقول  السكان:” إن الميلشيات التي تقوم بتهجيرهم هي صاحبة القرار الأول في المحافظة، مهمتها إخلاء المناطق المحاذية لإيران من العرب السُنَّة الذين كانوا يشكلون غالبيتها المطلقة، تقوم بقتل وتهجير السكان، والاستيلاء على أملاكهم بعد تدمير آلاف البساتين والحقول الزراعية فيها، واختطافهم وتهجير أماكن عدة في ديالي”.

القيادي عن “التحالف الكردستاني” حمه أمين أكد في حديث صحفي أن ما يحدث في ديالي هدفه التغيير الديموغرافي لذلك أصبح هناك تسعة قرى حدودية مع إيران مهجورة حاليًا، وأضاف : “المليشيات المدفوعة من إيران ترغب في تغيير طبيعة ديالى من محافظة ذات مذهب معين إلى أخرى موالية لها”.

من جانبه، يؤكد أستاذ التاريخ ياسين الجبوري، أن “هناك خطة ممنهجة تتبعها الميليشيات لدفع الأهالي للنزوح عن مناطق تعتبر خالية من الإرهاب في ديالى، كمناطق بلدروز ومركز قضاء المقدادية ومدينة بعقوبة، يتم ذلك عبر عمليات الخطف والاغتيال المنظم لشريحة الشباب، حتى بلغ معدل القتل في المقدادية وحدها من 7 إلى 10 حالات يوميًا”، ويوضح د.الجبوري أن “هذه حالات يوثقها الحراك الشعبي، ويرفعها لنواب ديالى دون جدوى، ودفع ذلك الكثير من العوائل للمغادرة خوفًا، حيث لا جهات أمنية يتم اللجوء إليها، في ظل سيطرة الميليشيات التي باتت السلطة الأمنية شبه الوحيدة في المحافظة”.

 

 

ميرفت عوف

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: