أكراد العراق يوسعون مناطق سيطرتهم تحت غطاء الحرب على تنظيم داعش

مشرف 419 مشاهدات0

من شرفة البيت الذي يقطنه «أبو سهيل» يمكنك أن ترى بنفسك اتساع خطوط الصدوع الطائفية في العراق شيئاً فشيئاً.

فمثل كثير من البيوت في مدينة ذمار الواقعة في شمال العراق كان هذا المبنى الخرساني الباهت مملوكا لأسرة عربية.

وكان «أبو سهيل» الكردي، الذي يملك متجرا صغيرا، يعيش في المربع السكني نفسه.

وكان وأفراد أسرته يتناولون الشاي بصحبة جيرانهم العرب، بل وكان ابناه يلعبان مع أطفال الجيران العرب في الشارع.

غير أنه بعد أن سيطر تنظيم داعش على ذمار خلال هجومه الكاسح على شمال العراق وغربه في 2014، فر معظم الأكراد وتركوا المدينة للتنظيم المسلح.

وبعد شهرين جاء رد الأكراد فأخرجوا مقاتلي داعش.

والآن أصبح كل سكان ذمار تقريبا من الأكراد، الذين لم يجد كثيرون منهم أي غضاضة مثل «أبو سهيل» في الاستيلاء على بيوت جيرانهم العرب.

وقال «أبو سهيل» إن العربي الذي استولى هو على بيته كان يؤيد تنظيم داعش
.

ومن الممكن مشاهدة هذا التحول نفسه في المدن والقرى عبر الشريط الأرضي المتباين عرقيا الذي يفصل إقليم كردستان العراق، الذي يتمتع بالحكم الذاتي في شمال البلاد، عن الجنوب حيث الأغلبية من العرب.

وفي ظل ما خاضته قوات «البيشمركة» الكردية من معارك مع التنظيم اضطر كثير من العرب للرحيل عن بيوتهم.

وتقدم مواطنون عاديون من الأكراد فاستولوا على الممتلكات ودمروا مباني ووضعوا أيديهم على أراض زراعية.

وبصفة إجمالية زاد الأكراد مساحة الاقليم الذي يسيطرون عليه في العراق بنحو 40 في المئة منذ عام 2014.

وعلى هذا المنوال يُعاد رسم الخريطة في مختلف أنحاء العراق وسوريا؛ إذ تستغل جماعات تقاتل تنظيم داعش المعارك لتسوية نزاعات قديمة وتوسع نطاق أراضيها.

ويقول الأكراد إنهم يعملون ببساطة لإصلاح أخطاء تاريخية ارتكبها قادة العراق المتعاقبون وخاصة «صدام حسين».

إذ أدت سياسة «التعريب” التي انتهجها في الشمال إلى إزالة قرى كردية ونزوح مئات الآلاف.

غير أن آخرين، من بينهم كثيرون في الحكومة العراقية برئاسة «حيدر العبادي»، قالوا إن الأكراد يتسببون في مظالم جديدة، ويهيئون الوضع لصراعات مستقبلية.

كذلك فإن تعاظم نفوذ أكراد العراق يقلق دولا مجاورة تخشى أن تحاول أقليات كردية فيها الاقتداء بأشقائهم الأكراد في العراق.

وفي الشهور القليلة الماضية تزايدت التوترات في ظل استعداد القوات الحكومية العراقية والأكراد والفصائل الشيعية المدعومة من ايران لشن هجوم هدفه إخراج داعش من معقلها في مدينة الموصل، شمالي العراق.

ولأطراف هذا التحالف غير المستقر عدو مشترك، لكنهم لا يتفقون على شيء آخر تقريبا.

ومن الممكن رؤية آثار هذا التوتر في الشعارات المكتوبة على الجدران؛ إذ يقول بعضها «مخصص للأكراد» و«تحيا الدولة الكردية» في مناطق كانت في وقت من الأوقات تحت سيطرة مقاتلي داعش

وفي ذمار كتبت كلمة واحدة باللون الأحمر الداكن هي «كردي» على بيت محترق يملكه عربي.

وعلى الناصية يبدو أن بيتا آخر كان مملوكا لعربي آخر قد سوي بالأرض.

وقال «أبو سهيل» أن صاحب البيت كان يؤيد تنظيم داعش

وأضاف «أبو سهيل»، وهو يجلس في بيت والده قرب البيت الذي يقول الآن إنه أصبح ملكه: «العرب يعرفون أن الحق يعود إلى أصحابه. والآن أصبحت أراضينا في أيدينا».

ويتفق مع هذا الرأي «فلاح مصطفى»، رئيس الإدارة الكردية للعلاقات الخارجية، والذي قال لـ«رويترز»، إن كثيرين من أفراد قوات «البيشمركة» لقوا حتفهم في اشتباكات مع تنظيم داعش

وأضاف أن حكومة كردستان العراق «لا يمكنها السماح بأن تذهب هذه التضحيات سدى بإعادة سياسة التعريب التي كانت سياسة النظام السابق. ومن المؤكد أنه يتعين وقف عملية التعريب».

ماض مضطرب
ويرى الأكراد أن تدعيم أراضيهم خطوة مهمة على الطريق صوب وضع الدولة المستقلة التي يسعون لإقامتها منذ قامت القوى الأوروبية بتقسيم الامبراطورية العثمانية قبل نحو 100 عام.

وقد رسمت الحدود الجديدة حدود دولة العراق الحديثة، لكنها قسمت الشعب الكردي بين العراق وثلاث دول أخرى مجاورة.

وفي العراق تعرض الأكراد للقمع على الدوام لا سيما في عهد «صدام».

وذمار شاهدة على ذلك. فقد غمرت المياه القرية القديمة في الثمانينات عند بناء سد الموصل أكبر سدود العراق. وعندما ينحسر منسوب الماء في خزان سد الموصل يمكن مشاهدة أسطح أعلى مباني القرية.

وقام «صدام» ببناء قرية بديلة على أرض يقول الأكراد إنها انتزعت منهم. وقضى الرحيل العراقي الراحل الأعوام العشرين التي تلت ذلك في توطين العرب في تلك القرية وغيرها من المناطق الكردية في مختلف أنحاء شمال العراق.

وتغيرت الأوضاع بعد اجتياح العراق بقيادة القوات الأمريكية عام 2003 والإطاحة بـ«صدام».

وبعد حرب الخليج الأولى عام 1990 اقتطع الأكراد لأنفسهم جيبا حمته منطقة حظر طيران فرضها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

ومع اختفاء «صدام» من الصورة أخيرا ازدادت قوة الأكراد.

وعاد كثيرون إلى قراهم أو ما بقي منها. وتعرض العرب للترحيل قسرا في بعض الأحيان، غير أن رحيلهم كان من تلقاء أنفسهم في كثير من الأحيان.

ودعا نص دستوري جديد إلى إجراء استفتاء على مستقبل المناطق الحدودية. غير أن هذه العملية لم تكتمل بسبب الخلافات السياسية في العراق وعدم اتفاق الزعماء السياسيين على تنفيذها.

ولم يكن «أبو سهيل» (40 عاما الآن) قد ولد عندما تعرضت قرية أجداده للحرق في السبعينات. واستقرت أسرته في قرية أخرى. غير أنه بحلول عام 2005 قررت الأسرة الانضمام لأكراد آخرين عائدين إلى ذمار، واشترت أرضا فيها.

وأرغم الأكراد تنظيم داعش على الخروج من ذمار في أكتوبر/تشرين الأول عام 2014.

وتسيطر على البلدة الآن قوات أمن كردية يرتدي أفرادها زيا عسكريا مموها تعرف باسم «الأسايش».

ويقول من تبقى من السكان العرب إنهم يخشون أن يصبحوا عرضة للانتقام منهم إذا ما فتحوا أفواههم.

لكن البعض يقول سرا إن قوات الأمن الكردية طردت مئات الناس المتهمين بأن لهم صلات بتنظيم داعش. واستولى الأكراد على شوارع ومناطق بأكملها كانت في السابق مملوكة للعرب.

وتقدر منظمة «العفو» الدولية أن عدد السكان العرب الممنوعين من العودة إلى بيوتهم في كل المناطق المتنازع عليها من الحدود السورية في الغرب إلى الحدود الايرانية في الشرق يبلغ عشرات الآلاف.

ويقول الأكراد إن من تربطهم صلات فقط بتنظيم داعش هم غير مسموح لهم بالعودة، ويشيرون إلى العرب الباقين كدليل على أنه لا توجد سياسة لإحداث تغيير سكاني.

وقالت «دوناتيلا روفيرا»، مستشارة الاستجابة للأزمات في منظمة «العفو»، لـ«رويترز»: «يعرفون أنهم لا يستطيعون أن يفرغوا المناطق المتنازع عليها بالكامل من العرب. فهذا لن يكون واقعيا. ولذلك فقد أخذوا قدر ما استطاعوا. وهذا تقدم من وجهة نظرهم».

وحول ذمار بدأت حيوانات برية تحتل الأطلال الباقية في عدة قرى عربية. ويقول بعض من سكنوها سابقا بل وبعض الأكراد إن تلك المناطق سواها مقاتلو «البيشمركة» بالأرض.

وفي عدة تجمعات سكنية خارج المدينة تحولت جميع البيوت بلا استثناء إلى أكوام من الركام.

في أحد هذه التجمعات كان المسجد هو المبنى الوحيد الذي بقي سليما وكانت مئذنته تطل عاليا على ما حولها من أنقاض.

وينفي مسؤولون أكراد استهداف ممتلكات العرب. ويقولون إن ما لحق بها من أضرار نتج عن ضربات جوية لقوات التحالف والاشتباكات مع مقاتلي داعش

وقال متحدث باسم حكومة إقليم كردستان العراق إنه لا يوجد جهد منسق لمعاقبة السكان العرب أو منعهم من العودة لبيوتهم. وقال «دندار زيباري»، رئيس لجنة حكومية للتحقيق في تقارير عن وقوع انتهاكات في ذمار ومدن أخرى إن حكومة الإقليم لا تتهاون في الحالات التي يحتل فيها جيران بيوتا بعينها.

التاريخ يعيد نفسه
والرجل المسؤول عن الأمن في ذمار هو العقيد «نوروز بالاتي»، الذي أمضى 17 عاما في السجن خلال حكم «صدام»؛ بسبب دوره في مساعي الأكراد الانفصالية.

وقال «بالاتي» إن ما يصل إلى 80 في المئة من سكان ذمار العرب انضموا إلى تنظيم داعش، أو أيدوه عندما احتل التنظيم المدينة.

وأضاف أن أغلبهم من الذين تم توطينهم في عهد «صدام»، وليس من العرب «الأصليين»، الذين عاشت عائلاتهم في المنطقة على مر الأجيال.

وقال إن 50 أسرة عربية فقط تمثل أقلية من السكان السابقين للمدينة سمح لها بالعودة إلى ذمار. واعترف بأن آخرين نزحوا إلى مناطق أخرى في الأراضي الكردية ولم يسمح لهم بالعودة، وقال: «نحن نرتاب فيهم».

وفي الوقت نفسه انتقل الأكراد الذين تعرضت بيوتهم في قرى خارج ذمار لأضرار أو مازالت قريبة من الخط الأمامي للاشتباكات إلى المدينة.

وقال «سعيد عثمان»، المدرس الكردي من قرية كاهرز، وهو يجلس في حجرة المعيشة ببيت في ذمار استولى عليه: «هذا البيت كان خاليا ولذلك انتقلنا إليه. ونحن لا نعلم من هو مالكه أو أين هو».

وأضاف أن كل شيء تقريبا في البيت يخص مالكه العربي السابق، وقال: «التلفزيون فقط ملكي».

ويقول بعض الأكراد إنهم سيعودون إلى بيوتهم عندما يصبح الوضع آمنا، لكن آخرين لا يرون ما يدعو للرحيل.

وقال الخياط «عدنان إبراهيم» (39 عاما)، وشريط القياس يلتف حول عنقه: «التاريخ يعيد نفسه. الأكراد اضطروا للنزوح والآن عادوا. الأمور عادت لوضعها الطبيعي».

وكان العرب يهيمنون على الحي التجاري في ذمار. أما الآن فقد أعيد تسمية المتاجر لتعكس هوية أصحابها الجدد من الأكراد.

وفي أحد الشوارع يقص حلاق لحى الرجال في صالون حلاقة اسمه «شهداء كردستان»، وفي واجهة متجر آخر تدلت ذبيحتان تحت لافتة كتب عليها «قصاب (جزارة) البيشمركة».

وقال كردي في منتصف العمر، وهو يرتب بضائعه على رف في سوبرماركت صغير، إن المتجر لا يخصه، لكنه شعر أنه من حقه لأن تنظيم داعش دمر تجارته.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: