الفصل العشائري .. بين محاولات الاحتيال ورد الحقوق

هيئة التحرير 454 مشاهدات0

 

 

اصبحت معظم عشائر العراق سلوكها وعاداتها واعرافها خارج المنظومة الاخلاقية من خلال عمليات البيع والشراء ونشر شبائكها حول المواطن الضحية كصيد ثمين مستغلة الضعف الحكومي والقانوني.

 

سبعة آلاف دولار هي مقدار التعويض او (الفصل ) العشائري الذي قامت بدفعه شركة (دايو) الكورية لعامل عراقي من قضاء الفاو في البصرة ، بعد ان تعرض العامل للضرب من قبل مسؤوله الكوري في موقع الشركة العامة للموانيء.

 

وادت استعانة العامل بعشيرته –كما يحدث حاليا – في الشجارات والخصومات العراقية الى اخضاع الكوريين للاعراف العراقية وحضور الجلسة العشائرية ودفع المبلغ المحدد.

 

يمكن القول ان اعتماد الفصل العشائري كرادع لسلوكيات الافراد في المجتمع هو نتاج عودة العشائرية بقوة في السنوات الاخيرة باعتبارها نظاما اجتماعيا يوازي النظم الحكومية والقانونية في اهميته ودوره في المجتمع ، فهل يتلاءم هذا النظام مع الحياة الجديدة التي يصبو اليها العراقيون بعد التغيير حيث يسود القانون ويتساوى الأفراد امامه بغض النظر عن انتماءاتهم العشائرية ، وهل يشكل رادعا فعليا لبعض السلوكيات الخاطئة في المجتمع؟

 

في أحد الشوارع المزدحمة بالمركبات ، تعرض الموظف حيدر هادي الى حادثة (نصب عشائري ) –كما اصطلح على تسميتها مؤخرا – حين القى شاب بنفسه امام مركبته مادفع هادي الى الترجل منها بسرعة لمعرفة ماحدث للشاب وقبل ان يكتشف مدى اصابته احاط به شابان آخران بدا انهما من اقارب الشاب المصاب.

 

وعندما عرض هادي عليهما نقله الى المستشفى رفضا بحجة خشية الدخول في متاعب مع الشرطة وعرضا عليه تعويضا ماديا ولأنه لم يكن يحمل المبلغ المطلوب معه اجرى احدهما مكالمة مفتعلة مع اسرة الشاب الذي بدأ يصرخ من الألم وافتعل الانفعال وهو يرد على المكالمة.

 

وقال لهادي ان اهل الشاب يطالبون بجلسة فصل عشائري بعد ان يقوم احد الشابين بنقل المصاب الى المستشفى ثم يذهبون جميعا مع صاحب المركبة ليستدلوا على منزله ويبلغوا اسرته بذلك ..هنا ، وجد هادي ان منحهم مبلغا من المال اسهل بكثير من الفصل العشائري الذي سيكلفه الكثير ولاشك فحاول اقناعهم بدفع مبلغ 300 الف دينار ووافقوا على مضض فاتصل بصديق له ليجلب له المبلغ المطلوب.

 

وعندما عاد الى منزله ، قال له والده انه كان ضحية ( نصب عشائري ) !،هناك حوادث عديدة اخرى استخدمها اصحابها للحصول على فصل عشائري كافتعال الشجارات او استغلال حوادث تافهة وكان الهدف منها دائما كسب المال من جهة من يستغل تلك الحوادث والابتعاد عن اللجوء الى القانون من جهة من يخضع للاستغلال لأن ذلك يشكل مضيعة للوقت والمال.

 

و.ترى الدكتورة هدى البهادلي من ائتلاف المواطن ان النسق العشائري هو ذلك الجزء الخفي من الشخصية العراقية الذي يظهر ويختفي بمراحل مختلفة اكثرها تأثيرا ضعف الدولة ، كما ان عودة العشائرية هي مسؤولية الطبقة السياسية التي كان من المفترض ان تمثل اسس بناء نظام ديمقراطي سليم لكنها بدلا من ذلك قدمت لنا نماذج من النكوص عن حكم الدولة والقانون لصالح الاحكام العشائرية لتزيد من الأزمة .

 

وتشير البهادلي الى ان المواطن العراقي بدأ يلجأ للحكم العشائري بعد ضعف الدولة وعدم قدرتها على توفير الحماية له مؤكدة على انتعاش النظام العشائري في عهد النظام البائد اذ قام رئيس النظام السابق في سنوات التسعينات باستغلال الشيوخ للسيطرة على ابناء العشيرة لضمان خنوعهم له فهو لم يقم بتعزيز الروح العشائرية فقط وانما جنح نحو ايجاد شيوخ عشائر تابعين له خارج السياقات الطبيعية لايجاد هذه الزعامات واعطاها القوة وهو مااطلق عليه شيوخ التسعينات الامر الذي اسهم في تشويه اكبر للظاهرة العشائرية ودورها في المجتمع وصرنا نسمع بقصص خيالية عن الباحثين عن فصول ربما لم نسمعها في عقود قديمة من تاريخ العراق عندما كانت هناك زعامات عشائرية ملتزمة.

 

أما اليوم فيتم استغلال العشائر بطريقة اخرى لدعم ابنائهم السياسيين مهما كان اداؤهم فالعشيرة سلاح ذي حدين قد توفر الحماية لابنائها او تؤمن لهم الطريق ليمارسوا افعالهم .من جهته ، يرى الباحث الاجتماعي عبد الستار البياتي ان تمدد النظام العشائري في الوقت الحالي امر طبيعي جدا مع وجود دولة تحبو باتجاه واقع جديد وحكومات ضعيفة واداء سيء ، مؤكدا ان العشائر تكون احيانا على درجة عالية من الانصاف واحقاق الحق بل وتعجز الحكومة في كثير من الاحيان عن ماتحققه العشائر فالمسألة نسبية ولااطلاق فيها .

 

كما ان تسميات الأسر الكبيرة موجودة ورائجة في أهم واكبر الدول الديمقراطية والحديثة وهذا هو احد انساق العشائرية ، فالانتساب للعشيرة غالبا مايكون مدعاة للتعارف بين الناس والفخر ايضا لكنه خضع لاستغلاله بشكل سلبي في فترة الطائفية كما ارتبط ببعض الممارسات الخاطئة كالمبالغة في مبالغ الفصول العشائرية واستغلال بعض الاعراف العشائرية لانتهاك حقوق المرأة كما في ظواهر ( الفصلية ) و(النهوة ) و(الثأر ) وغيرها..

 

اما الصحفي امين يونس فيرى ان احياء العشائرية بدأ في عقد الثمانينات من القرن الماضي حين لجأ النظام البائد الى احياء العشائرية في اسوأ اشكالها ، منتخيا القبائل ، للانخراط في مغامراته الرعناء وتسليم الهاربين من ابنائها الى السلطات لتنفيذ اقسى العقوبات الجائرة بحقهم ، والابلاغ عن المعارضين ،وبادر الى ( استبدال) الشيوخ الذين لم يسارعوا الى مجاراته بآخرين مستعدين لتنفيذ كل طلباته ..

 

ويؤكد يونس ان السلطة تلجا الى العشيرة عندما تصبح (مفلسة) وهو ماحدث حين استخدمت سلطة الاحتلال الامريكي العشائر للتخلص من تنظيم القاعدة بتشكيل نظام الصحوات العشائرية ثم سلمت الملف الى السلطات العراقية ليتخلله الفساد والابتزاز ، مشيرا الى انه كلما كانت الدولة مدنية والقانون فيها فوق الجميع كلما اضمحل دور العشائر لكن المواطن لم يعد يثق بسلطة الدولة وحمايتها له ودور القانون فيها فلجأ الى نظام العشيرة ..

 

ورغم ذلك يرى يونس ان احترام البعض للتقاليد والاعراف العشائرية مثل التكافل الاجتماعي ومساعدة المحتاج والحفاظ على العلاقات الاسرية والقيم الاخلاقية كلها جديرة بالتقدير ومساندة الدولة والحكومة.

 

المصدر: شبكة اخبار العراق

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: