نظرية المؤامرة بين المدافعين والمشككين: هل هناك حقا قوى خفية تتحكم في العالم؟

مشرف 357 مشاهدات0

كان مصطلح نظرية المؤامرة دوما جزءا من ثقافتنا. وقد كان كثيرا ما يستخدم كوسيلة لغلق أي مناقشة أو لإحراج الآخرين لتصديقهم كل ما يقال. يرجح النفور من نظريات المؤامرة إلى الاشمئزاز من فكرة أن الأحداث المعروفة حدثت بفعل مجموعة من الناس الذين يعملون في الخفاء.

إذا كانت نظريات المؤامرة صحيحة، فإن الحس العام في فهم لم تحدث الأشياء يبدو معيبا. وإذا كان الحس العام معيبا فإن أولئك الأشخاص الذين ينظر إليهم على أنهم الأكثر اطلاعا هم في واقع الأمر مخطئون. وفي الوقت الذي يفقد فيه هؤلاء مكانتهم، فإننا نواجه عالما قاتما نواجه فيه أحداثا هامة ذات أسباب مجهولة.

أولئك الذين يعتقدون بنظريات المؤامرة يؤمنون بأن التفسيرات الأكثر شيوعا هي تفسيرات معيبة. من وجهة نظرهم، فإن الآخرين يفشلون في إدراك أن الأشياء لا تقع هكذا وفقط وإنما تقع مدفوعة بنوايا خفية. وهم يعتقدون أن أولئك الذين يحاولون تفسير العالم دون اللجوء إلى أجندات سرية، إما أنهم مخدوعون أو أنهم في واقع الأمر جزء من المؤامرة.

الاعتقاد في نظريات المؤامرة يعني أن العالم لم يخرج عن نطاق السيطرة. بدلا من ذلك فإنه يتم التحكم في وقوع الأشياء، وهذا يعني أن شيئا ما يمكن القيام به لمواجهة إجراءات المتآمرين.

هناك من يعتقد أن أسعار النفط انخفضت بفعل انخفاض معدلات النمو الاقتصادي العالمي وظهور تقنيات جديدة. من وجهة نظر هؤلاء، ليس هناك حاجة إلى أسباب أخرى لتفسير ذلك. على النقيض هناك آخرون يعتقدون أن الانخفاض في أسعار النفط قد تمت هندسته بشكل متعمد من قبل بعض البلاد أو الكيانات المالية القوية من أجل الإضرار بجهات بعينها.

بالنسبة للفريق الأول، فإننا محاصرون من قبل قوى السوق التي لا يمكننا السيطرة عليها، ولكننا على الأقل نحن نفهم ما يجري في العالم. أما من وجهة نظر الفريق الآخر، فإنه يتم التحكم في العالم من قبل قوى مهيمنة تحدد مصير العالم وفق مصالحها الخاصة.

نحن محاطون بالمؤامرات من كل الجوانب. المؤامرات هي جزء طبيعي من نسيج الحياة البشرية. لقد عملت في الجامعات والحكومات ومع الناشرين. وهناك الكثير مما نقوم به هو تأمري بطبيعة الحال.

المؤامرات ونظريات المؤامرة يمكن تصنيفها إلى 3 فئات. أولا: هناك المؤامرات الروتينية التي تحدث بشكل دوري في عوالم السياسة والاقتصاد الأعمال والعائلات والمنظمات الإنسانية الأخرى. ثانيا: هناك المؤامرات الكبرى مثل الانقلابات وحوادث الاغتيال. وأخيرا هناك المؤامرات الكلية التي تنفذها قوى تتحكم في مجالات أوسع من الحياة، وربما تتحكم في التاريخ ذاته.

يتعلق النقاش حول المؤامرات بالطبع بالنوعين الأخيرين. بالنظر في اغتيال «جون كينيدي» و«مارتن لوثر كينغ»، فقد وقع كلاهما بواسطة رجال مسلحين. عند تقييم ما إذا كانت هناك مؤامرة أم لا، فإن الأمر يتعلق بالمعقولية. ومن وجهة نظري فإن فرضية الرجل المسلح وحدها هي فرضية معقولة في أدنى الأحوال.

النظر الكلاسيكي

هل كان «لي هارفي أوزوالد» يعمل وحده؟ من المحتمل أنه حصل على وظيفة في مستودع الكتب المدرسية بولاية تكساس، وسمع عن موكب الرئيس. ولأسباب خاصة به، فقد قام بإطلاق 3 رصاصات من بندقيته الإيطالية القديمة أصابت رصاصتان منها «كيندي» وتوالت بعدها الأحداث. يمكنني أن تصور أن الأمور سارت بهذا الشكل.

ولكن هناك مشكلتان في هذا الأمر. قام «جاك روبي» بقتل «لي هارفي أوزوالد». كان «روبي» يعمل قوادا ومالكا لأحد أندية التعري ويقال أنه كان مضطربا نفسيا بسبب وفاة «كينيدي» وقرر قتل «أوزوالد». لاشيء في الماضي يشير إلى وجود ارتباط عاطفي لـ«روبي» بأي أحد فضلا عن الرئيس. وهذا يتطلب توسعا كبيرا في تفسير المعقولية.

هناك أمر ثان أكثر صعوبة. انشق «لي هارفي أوزوالد» لصالح الاتحاد السوفيتي عندما كان يعمل في مشاة البحرية. كما أنه التقى زوجته «مارينا» في الاتحاد السوفييتي، والتي قتل والدها في الحرب العالمية الثانية، وعاشت مع عمها الذي كان عقيدا في وزارة الداخلية وقوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية. كما درست في مدرسة لينينغراد للصيدلة.

تزوجت «مارينا» من «أوزوالد» بعد بضعة أسابيع من أول لقاء لهما. وتم منحهما تأشيرات خروج من الاتحاد السوفيتي وانتقلا إلى الولايات المتحدة. ليس من الطبيعي أن تتزوج بنات عقداء وزارة الداخلية من المنشقين الأمريكيين فضلا عن صدور تأشيرات خروج لهن، وقبولها من قبل الولايات المتحدة.

ولكن في النهاية، ربما كان «روبي» مرتبطا عاطفيا بـ«كيندي»، وربما أصابت «لي» و«مارينا» لحظة سحرية ما. ولكن بما أنني لا أجد تفسيرا مقنعا لأي من القصتين، فإني أقول أن نظرية الرجل المسلح تبقى معقولة مؤقتا وأن علي أن أقبلها بانتظار ظهور معلومات جديدة.

اختبار المعقولية

قصة «جيمس إيرل راي» الذي قام بقتل «كينغ» تبدو أكثر صعوبة. كان «راي» مجرما صغيرا داخل وخارج السجن، حتى إدانته الرابعة عندما حكم عليه بالسجن لمدة 20 عاما في ولاية ميسوري بتهمة سرقة 120 دولارا. بعد هروبه عام 1967، اشترى سيارة جديدة في ولاية ألاباما، وذهب إلى المكسيك. في مارس/أذار عام 1968، خضع لجراحة تجميل في الوجه في لوس أنجلوس، قبل أن يطلق النار على «كينغ» في 4 إبريل/نيسان بعد جولة للحصول على الأسلحة.

انتقل «راي» إلى كندا بجواز سفر كندي ومنها إلى بريطانيا قبل أن يلقي القبض عليه في مطار هيثرو أثناء مغادرته بريطانيا بعد أم تم كشف أن لديه جواز سفر أمريكي بالإضافة إلى جواز آخر كندي ومبلغ 10 آلاف دولار في حوزته.

هل كان «راي» هو الوحيد الذي يجيد إطلاق النار؟ الجواب بالتأكيد لا. هل يكمن السبب في أنه هرب من السجن أو خضع لجراحة تجميلية أوسافر إلى  الولايات المتحدة والمكسيك؟

كل هذه الأسباب تبدو غير معقولة. المنطقي أنه قد حصل على مساعدة ما. الجهة الأبرز هم العنصريون البيض. يمكننا أن نعدد بدائل أخرى ولكن لا يوجد أي دليل على ذلك.

هذا يقودنا نحو المشكلة الرئيسية في هذا النوع من الأحداث. غالبا ما يتحرك المنظرون بسرعة كبيرة جدا لدخول نفق اللامعقولية. ومع حدوث ذلك فإن هذا يعني أن عملية التحقيق صارت مضللة، وأن المحققين أنفسهم صاروا جزءا من الغطاء الذي يطمس الحقيقة.

المشكلة هي أنه من غير المعقول في القصة «أوزوالد» أن الكثير من الناس، من إدارة شرطة دالاس إلى لجنة وارين إلى المدعين في مشاة البحرية إلى الاستخبارات السوفيتية جميعهم كانوا مشتركين. لا يمكن أن توجد وسيلة لإشراك أكبر عدد من الناس والحفاظ على سرية القصة. إن هذه القصة تشمل مئات الأشخاص في العديد من البلدان. بعض نظريات المؤامرة تنطوي على قدر كبير من اللامعقولية. ببساطة فإن مؤامرة بهذا الحجم لا يمكن أن تظل سرية طوال هذا الوقت.

في قضية اغتيال «كينغ»، فإن لا معقولية افتراض أن «راي» كان يعمل بمفرده تدفعنا إلى البحث عن متورطين آخرين. أحيانا يكون هذا البحث منطقيا وأحيانا يكون مدفوعا برغبة المنظر في اتهام شخص أو مجموعة يكرهها. في حالة «راي» يمكنني أن أقول شيئين: أولا أنه من غير المعقول أن «راي» لم يحظ بأي مساعدة. ثانيا: أن هذه المساعدة كان يمكن أن تأتي من عد قليل من الجهات، ربما يمكن حصرها إلى جهة واحدة.

النظام العالمي الجديد

هناك إذا نظرية المؤامرة الكلية التي تصر على أن الاقتصاد العالمي وتجارة المخدرات حول العالم يتم التحكم بهما من قبل عائلة روتشيلد وملكة بريطانيا. يمكن تطبيق قانون الاتساع على هذه المؤامرة. هناك العديد من الناس يعلمون بها، وهي أقل احتمالا أن تظل قيد الكتمان. حاول الإخوة هانت ذات مرة احتكار سوق الفضة، ولكن سرهم سرعان ما انكشف لأن أي عمل بهذه الضخامة من غير الممكن أن يظل سريا.

هناك مشكلة أخرى مع النظريات الكلية: إذا كانت تلك الجهات التي تدبر هذه المؤامرات قوية كما يظن المنظرون، فلم تخاف من ترك الناس يعرفون؟

المؤامرات الكبيرة جدا كالسيطرة على رقعة من العالم لا يمكن أن تكون ضعيفة إلى الحد الذي تخاف فيه من التعرض للانكشاف. المؤامرات إما أن تكون قوية جدا أو ضعيفة بشكل لا يصدق. من الصعب التفكير في سيناريو تآمري على نطاق عالمي يتعرض للانهيار بمجرد الكشف عنه.

هذه هي نقطة الضعف في النظرية القائلة بأن الثورة الأمريكية كانت مؤامرة ماسونية. الماسونيون من المؤسسين كانوا فخورين بذلك، وقد استخدموا رموز الماسونية على العملة بشكل علني. المؤامرة القوية ليس عليها أن تخفي شيئا، ولذا فإنها بالضرورة لن تصير مؤامرة.

هناك أيضا اختبار القوة النهائي. قال أحدهم لي ذات مرة أن هناك مؤامرة ذات أبعاد مذهلة تدبر في سرية تامة. سألت الشخص لماذا لا يزال إذا على قيد الحياة بعد أن اكتشف مؤامرة بهذا الحجم. كان من المفترض أن يكون ميتا، ولكنه لم يكن كذلك. هذا يعني إما أنها لم تكن سرية تماما أو أنها ليست قوية، أو أنها غير موجودة من الأساس.

أنا أرى أن كلا الموقفين من قضية المؤامرات يأتي مدفوعا بالرغبات المسبقة. لا يوجد هناك حكم موحد يمكن أن نطلقه على المؤامرات، ولكن الحكم يختلف بحسب الحيثيات. هناك أناس يميلون إلى الاعتقاد بأن العالم في الواقع كما يبدو عليه، وهناك أولئك الذين يعتقدون أن هناك عالما سريا. كلاهما على حق، ولكن الحقيقة الكاملة هي أن بعض الأمور مفتوحة، والبعض الآخر يدار عبر المؤامرات. التمييز بين الاثنين مهم جدا. وبشكل عام فإن المؤامرات الكلية تبدو غير قابلة للتصديق. هناك الكثير من الأشخاص المعنيين، وحاجة محدودة جدا إلى السرية إذا كان المتآمرون حقا بهذه القوة.

موضع النقاش إذا هو المؤامرات الكبرى مثل حوادث الاغتيال والأعمال المسلحة. محاولة إثبات أن جميع الاغتيالات على سبيل المثال قام بها مسلحون وحيدون من الصعب تصديقها في بعض الأحيان. وينبع التمسك بهذه الفرضيات في الأغلب من الرغبة في تبسيط العالم. وعلى الجانب الآخر فليست كل الأشياء المستغربة دليلا على وجود مؤامرة خفية. العالم مليء بالشذوذات التي تدفع بعض الناس لإعطائها معان أكثر عمقا من حقيقتها.

الإنكار الكلي لحدوث مؤامرات سرية يدبرها بعض البشر هو إنكار «عصابي» تماما مثل الاعتقاد بوجود مجموعة من القوى العظمى السرية التي تسيطر على حياتنا. كلا التفكيرين وجهان لعملة واحدةـ وكلا المدرستين تزدري الأخرى بنفس القدر. تميل المدرسة الأولى للظهور في صورة أكثر وجاهة من الثانية ولكنها لا تقل عنها «دوغمائية» وبعدا عن العقلانية. العالم مليء بالمؤامرات لكنه لا يدار بأكمله عبر المؤامرات. هناك مؤامرات موجودة بالفعل، ولكن معظم المؤامرات لا وجود لها.

 

ترجمة موقع الخليج الجديد

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: