قصة طلاب ومدارس العراق بين الاهمال الحكومي والمستقبل المظلم

هيئة التحرير 1K مشاهدات0

من المفترض ان يتوجه قرابة (8) ملايين طالب وطالبة الى مدارسهم الابتدائية والمتوسطة والاعدادية، بوجه الخصوص، لانحسار التعليم المهني الزراعي والصناعي والتجاري . وحسب وزارة التربية فقد توجه في العام الماضي قرابة 8 ملايين طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة ، بواقع 3.8 مليون طالب، و4.2 مليون طالبة.
لكن هل سيجد الطلاب الباحثون عن التعلم مايسهل عليهم ذلك، هل سيجدون المدارس المناسبة، والصفوف المريحة، والكتب والقرطاسية التي توزع قبل بداية الدوام الرسمي، هل سيجدون الاهتمام من المعلمين والمدرسين، هل سيجدون التغذية المدرسية التي وعدوا بها منذ اعوام لكنهم ،حسب والدة احد الطلاب، (لم يبقِ الفساد والتحاصص قطاعاً إلا ونهشه).


الحاجة الى 9000 مدرسة
المعضلة الاولى التي ستواجه الطلبة هي اكتظاظ الصفوف والدوام المزدوج سواء الثنائي او الثلاثي ،او الرباعي في بعض الأحيان. وزارة التربية سبق وان اعلنت عبر مكتبها الإعلامي ان العراق يحتاج الى نحو 9000 مدرسة في عموم العراق لفك ازدواجية وثلاثية الدوام، لافتة الى ان التربية تسعى جاهدة الى  سد الشواغر في جميع المدارس من خلال  توفير مدرسين لبعض الاختصاصات كالفيزياء والكيمياء والرياضيات. 
لكن هل تم بناء مدارس جديدة وهل فتحت مدارس جديدة علماً ان الموزانة العامة للعام الماضي لم تخصص المبالغ التي يمكن ان يعول عليها في انهاء أزمة الدوام المزدوج. وإزاء مشكلة تتفاقم مع مرور الوقت، وتستعصي لا بدّ من حلول، إلا أن ما كشفت عنه هيئة استثمار بغداد في 2016-03-16 لوسائل الإعلام عن توجّهها إلى إنشاء نحو 50 مدرسة أهليّة في العاصمة احبط الكثير من الدعوات المطالبة بتمويل بناء المدارس الحكومية. في ذات الوقت أبدى مجلس المحافظة تأييده لإقامة مدارس حكوميّة عن طريق الدفع بالآجل تتولى تمويلها هيئة استثمار بغداد. لكن شيئاً من ذلك لم يحصل الى هذا اليوم ومازال عدد المدارس لايفي بالغرض.

بعد دمج الضباط .. 
دمج المدارس
في عهد ولايتي المالكي (2006 -2014)، رصد مبلغ (825) مليون دولار لمشروع تشييد أبنية مدرسيّة وتطويرها، ولم ينجز سوى 6 في المئة من ذلك المشروع دون متابعته وفتحه من قبل الجهات المعنية واين ذهبت الأموال المخصصة لبناء المدارس لتبقى النتيجة: نقص كبير في أعداد الأبنية المدرسيّة واكتظاظ الصفوف الدراسيّة بالتلاميذ إلى حدّ الاختناق اذ يضم الصف الواحد في أغلب المدارس العراقية أكثر من 60 تلميذاً ، ما يجعل الدرس غير نافع، ويزيد من أعداد المتسربين. وبسبب نقص عدد المدارس شكلت المديرية العامة لتربية الرصافة الثانية لجاناً لشطر ودمج وفتح مدارس جديدة استعداداً للعام الدراسي الجديد …  وبيّن مصدر في قسم التخطيط التربوي ان اللجنة المركزية تقوم بدراسات واقع حال المدارس والكثافة العددية للتلاميذ والطلاب ومن ثم إصدار أوامر الشطر والدمج والفتح الجديد مع الأخذ بنظر الاعتبار المذكرات الإشرافية والتي تصدر عن المشرفين كونهم القادة الميدانيين للمتابعة ويرتبط بهذه اللجنة عدد من اللجان الفرعية والتي تشكل حسب المستجدات.

1326  مدرسة أهلية ؟
في الوقت الذي يتلكأ فيه اي مشروع يخص التعليم الحكومي، نجد التعليم الأهلي يتقدم ويخطو نحو الأمام. اذ كشفت وزارة التربية عن وجود 1326 مدرسة أهلية في العراق يديرها أكثر من 12 ألف من الكوادر التعليمية وتضم نحو 125 ألف طالب، وعدّت تلك المدارس “قاعدة مساعدة” للتعليم الحكومي. 
وكيل وزير التربية علي الإبراهيمي ذكر أن الوزارة لا تعارض أو تمانع في تأسيس مدارس أهلية، كونها قاعدة مساعدة للتعليم الحكومي، فضلاً عن دورها في رفع العبء عن كاهل الوزارة في جوانب عديدة، على غرار الكثير من الدول التي تعتمد التعليم الأهلي إلى جانب الحكومي في مسيرة التعليم. ولا يخفي الإبراهيمي طموح الوزارة بتوسيع الاستثمار في قطاع التربية بما يضمن نجاح هذه التجربة، مقابل تأكيدات بأن لجان الوزارة تواصل جولاتها الدورية على المدارس الأهلية، لضمان الحفاظ على صيغة وطبيعة التعليم فيها.

افتتاح 50 مدرسة ؟!
تتحمل الدولة المسؤولية الكبرى في ما وصل اليه التعليم في العراق اذ تخصص أقل من 1% للتعليم ضمن موازنتها السنوية، يضاف لذلك سوء التخطيط والادارة وعدم معرفة أولويات عمل كل جهة معنية بهذا القطاع. كل هذا أدى إلى انحدار مستوى التعليم في العراق إلى مستويات خطيرة، حتى وصل الأمر الى استئجار أبنية وتحويلها الى مدارس لايقل إيجار أي منها عن (60) مليون دينار في الموسم الدارسي.
 محافظ بغداد علي محسن التميمي اعلن عن قرب افتتاح (50) مدرسة جديدة مشيدة بطريقة الهياكل الحديدية تستوعب أكثر من (70) ألف طالب .وذكر مكتب التميمي ان المحافظة عازمة على انجاز المدارس المشيدة بطريقة الهياكل الحديدية التابعة لوزارة التربية والتي تعطل إنجازها لأكثر من سبع سنوات في ظل الأزمة الحقيقية للأبنية المدرسية، مؤكداً: اننا في المحافظة انطلقنا في حملة تأهيل واسعة لإنجاز هذه المدارس وإدخالها للخدمة خلال العام الدراسي الجديد .

أولياء الأمور .. 
ومحنة العام الدارسي
اقتراب العام الدارسي الجديد يمثل رعباً للكثير من أولياء الأمور ان كان ذلك بتوفير الملابس والقرطاسية او خطوط النقل او دروس التقوية التي يعمد اليها بعض المعلمين والمدرسين. هيثم خليل، والد لأربعة طلاب ثلاثة منهم في الابتدائية والرابع في المتوسطة بيّن ان الأيام الأولى لبدء العام الدارسي تستهلك الكثير من ميزانية العائلة، مردفاً انه غالبا ما يقوم بشراء القرطاسية والدفاتر من الأسواق بسبب تأخر توزيعها في المدارس، عازياً سبب ذلك الى سوء الإدارة والتخطيط سواء في وزارة التربية او المديريات العامة.
ثائر محمود، موظف وأب لثلاثة طلاب في الابتدائية، شارك خليل همومه مضيفاً: ان مدرسة الأولاد بعيدة عن البيت لذا لجأت الى خطوط النقل اليومية من والى البيت والمدرسة، متابعاً: وفي يوم تعطل سيارة الخط يضطر الأولاد للغياب، مبدياً أسفه لما آل اليه مستوى التعليم في العراق من انحدار وتدهور في المستوى وتقديم الخدمات للطلاب وحثهم على مواصلة الدراسة.
من ناحية ثانية، تعتبر مشكلة الدوام المزدوج او الثلاثي، واحدة من المشاكل التي يعانيها القطاع التربوي في العاصمة بغداد او في عموم محافظات البلاد. وتبرز هذه الظاهرة نتيجة نقص أعداد الأبنية المدرسية خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.

الأحزاب وأبنية الدولة والمدارس
 فيصل العزاوي، أب لخمسة أبناء، ثلاثة أولاد وابنتين بواقع بنت وولد في المتوسطة والبقية في الابتدائية يقول: في منطقتنا مدرستان بنيتا في سبعينات القرن الماضي، ورغم انهما يشكوان من زحمة الطلاب في العقود الماضية إلا أن الحال تردّى كثيراً بعد 2003 بعد الزيادة السكانية، مضيفاً: ان مشكلة الدوام المزودج تسبب إرباكاً كبيراً له ولعائلته في كيفية ترتيب شؤون البيت وتخيصص أوقات القراءة ومراجعة الدروس. مستطرداً: ناهيك عن مشكلة خطوط النقل ودوام إحدى البنات في مدرسة بعيدة عن منطقة السكن لعدم وجود متوسطة للبنات. 
أميرة محمود، مديرة مدرسة متقاعدة ، أوضحت أن واحدة من أهم مشاكل التعليم في العراق هي قلة المدارس، وكذلك المحاصصة التي جاءت بشخصيات لاعلاقة لها بالتربية والتعليم، مضيفة ان بالإمكان حل مشكلة بناء المدارس لو تم الاهتمام بها فبناء مدرسة أسهل من بناء عمارة سكنية او مول او سوق تجارية مثلما نرى في اهتمامات بعض الجهات الحكومية، لافتة الى ان هناك العديد من الأبنية الحكومية التي استولت عليها الأحزاب التي يمكن ان تُحول الى مدارس تساعد في حل مشكلة نقص المدارس التي أوقفت عجلة التطور والتعليم في العراق.
غياب الجانب الصحي في المدارس
تشكو المدارس الحالية من جملة مشاكل. المعلم ابراهيم حسين أوضح أن أغلب المدارس العراقية يشكو من غياب الرقابة الصارمة من قبل المدير والمعاون وحتى المعلمين، مشيراً الى انعدام الخدمات الصحية بشكل عام، منوهاً الى ضرورة الاستعانة بجهات دولية تنهض بالقطاع التعليمي العراقي الذي وصل لمراحل مخيفة من الإهمال والتردي.
فيما ذكر المدرس محمد مهدي : من خلال الاطلاع على عشرات المدارس الابتدائية فإني استطيع ان اؤكد ان اكثر من (90 %) من المدارس العراقية ولا سيما الحكومية لا تمتلك مرافقَ صحية تليق بالطلاب. مردفاً: حتى وان وجدت فإن عددها لايكفي لعديد الطلاب الذي يتجاوز المعدلات المعتمدة، داعياً الى ضرورة توظيف عمال خدمات في كل مدرسة مع ضرورة الاهتمام بهذا الجانب الصحي المهم.  

مشكلات الغياب والتسرب والرسوب
تواجه المدارس الابتدائية في العراق بعض المشكلات التربوية التي تؤثر بشكل أو بآخر على مسيرة المدرسة وبالتالي تكون لها مردودات سلبية. وهذه المشكلات لا تقتصر على المدارس في العراق فقط، ويمكن تحديد هذه المشكلات بالآتي: الغياب والتسرب والرسوب ،هذا الثلاثي المرعب كما سماه المشرف التربوي سعدي عبد الرحيم والذي دعا الى ضرورة إدخال المعلمين في دورات تدريسية بهدف إطلاعهم على الأساليب التربوبة الحديثة والمتطورة في التعامل مع الطلبة ومراحلهم العمرية، مضيفاً: مع ضروة الاهتمام بالتوجيه والإرشاد التربوي واعطائه دوراً اكبر في عملية النهوض بالتعليم، متابعاً: كذلك إعادة هيكلة الوظائف في هذا القطاع وفق ما يسمى بترشيد العمل الوظيفي على أن لا يؤثر ذلك على الأعداد المطلوبة للكادر التعليمي للمراحل كافة، مع اهمية تغيير نظام التعليم في العراق الذي يعد متأخراً عن مواكبة انظمة التعليم في العالم.

مضاعفة التخصيصات المالية
وشدد المشرف التربوي على أهمية تأشير ومحاصرة الظواهر التي تسيء للتعليم، ومحاسبة من يقف وراءها بصورة فورية وتحديد سبل عدم تكرارها، مؤكداً ضرورة العمل على مضاعفة المخصصات المالية التي من شأنها تحقيق قفزة في العملية التربوية والتعليمية، خاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية وانشاء المختبرات ووسائل الإيضاح وما شابه، متابعاً: مع معالجة المشكلة الأكبر والأخطر وهي بناء المدارس خاصة في المناطق التي تشهد كثافة سكانية عالية مع توظيف طاقات الطلبة لتحقيق فائدة متبادلة بين الطالب والمعلم عبر خطوات عملية يضعها خبراء ومتخصصون في التربية والتعليم تعيد لهذا القطاع المهم بريقه.

تغيير النظام التعليمي
التدهور الذي أصاب التعليم في العراق منذ عقود خلت جاء نتيجة للسياسات الخاطئة للنظام السابق والمتمثلة بتسخير هذا القطاع لمآرب سياسية، ناهيك عن الحروب وفترة الحصار التي تأثر بها هذا القطاع بشكل كبير، حيث انقطع عن العالم تماماً وبات يعيش في عزلة خانقة ويعاني من مشاكل جمة انعكست على المستوى العلمي والاجتماعي لطرفي المعادلة الرئيسية لهذا القطاع : الأستاذ والطالب ،ومنها النظام التعليمي المتبع في المدارس العراقية. 
وزير التربية محمد إقبال وجّه الكوادر العليا في الوزارة بدراسة مشروع قدّمه لهم يقضي بتغيير النظام التعليمي في البلاد من (٦-٣-٣) الى (٤-٤-٤) ، موجهاً إياهم  بتقديم الدراسات المستفيضة حوله .

تقليص الفجوة مع العالم
وذكر بيان عن مكتب الوزير الإعلامي: ان المشروع يتضمن تغيير عدد السنوات المتبعة، وجعل المراحل كافة متكونة من اربع سنوات موزعة بالتساوي على الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، مشيراً الى ان النظام الجديد في حال إقراره، سيعالج حالة الاكتظاظ في المدارس الابتدائية وانخفاض نسبة التركيز في أعداد الطلبة مع التخلص من المشاكل التي تعانيها المدارس في مجال زيادة نسبة رسوب الطلبة في الصفين الخامس والسادس الابتدائي بالإضافة الى القضاء على السلوكيات السلبية وحماية طلبة المراحل الأولية من تلك السلوكيات.
وأضاف البيان: أنه سيتيح إلغاء الامتحانات العامة في الابتدائية وتعويضها بأنماط أخرى بالإضافة الى القضاء على الفيض في ملاكات الدراسة الابتدائية، مردفاً بأنه سيتيح توحيد النمط الامتحاني للمراحل الأربع الاولى في الابتدائية والتي تحمل معيار الدرجة١٠  ، موضحاً ان النظام المقترح سيتيح توسيع النظام الاهلي لأنه سيتطلب شروطاً أسهل في افتتاح المدارس خاصة بعد تقليص سنوات الدراسة الابتدائية ما سيمكن الوزارة من تقليص الدوامات الثنائية والثلاثية ،مبيناً انه سيعطي الوزارة مدى أوسع لتطبيق نظام تنويع التعليم في مراحل اضافية ما سوف يصب في مصلحة تقدم العراق في المجال التربوي والعلمي ويقلل الفجوة الكبيرة التي تفصله عن بقية دول العالم.
 

 

المصدر: جريدة المدى 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: