هل نجح العراقيون في مناقشة الاقاليم عبر مواقع التواصل؟

احمد الساجر 306 مشاهدات0

  

من يطالع القسم الأكبر من حديث المنشورات الفيسبوكية لدى الطبقات الدنيا من المجتمع العراقي، يستطيع أن يستشف في القسم الأكبر منها أنها بدأت تأخذ شكلًا سياسيًا أكثر من أي شكل آخر. صفحات فيسبوكية عديدة تحمل أسماء وعناوين لا دخل لها بالسياسة، لكنها باتت مرجعًا فيسبوكيًا رصينًا وموثقًا لدى تلك الطبقات، قبل أيِّ صفحات موثقة أخرى.

فكلنا يعلم أن الكلام – ولا سيما العادي بين الأصدقاء وذوي العلاقات الخاصة – يتوقع له أن يمارسَ تأثيرًا أوسعَ من الكلام الرسمي المقنن بعباراتٍ وجملٍ تحتكم لقواعد الصرف والنحو.

والشي بالشيء يذكر، وفي الفيسبوك تحديدًا لم تنل في الغالب منشورات المقالات والكلام المنمق ذلك الاهتمام الشعبي مثلما نالته منشورات اللغة العامية، فالعامية كونها أداة غير ثابتة يمكن لها أن تمثل أداة فريدة من نوعها في التأثير في أحاديث الشأن العام سواء كان الحديث سياسيًا أو اجتماعيًا.

وفقًا لهذه القاعدة، يمكن القول إنه لم تُسهم بشكل كبير نقاشات النخبة المثقفة في دوائر الطبقات العليا من المجتمع في عقلنة الصراع المحموم حول السلطة منذ 2003 وإلى اليوم، حيث باتت تلك الطبقات تشترك في تأجيج ذلك الصراع من حيث تدري أو لا تدري. فمعلوم أن لجميع حركات وأحزاب هذه العملية السياسية البائسة «نخبًا إعلامية» تعمل على تبرير كل ممارساتها وتصرفاتها، وتحاول أن تشرعن لكل أهوائها وأحلامها السلطوية.

لم ينل خبر إعلان طرح مجلس محافظة الديوانية – محافظة القادسية سابقًا – في شهر أغسطس (آب) الماضي، حول تشكيل لجنة لبحث إنشاء إقليم الديوانية صدىً واسعًا في وسائل الإعلام العراقي، فيما لاقت هذه الفكرة موجة من الجدل والسجال لدى أغلب المفسبكين العراقيين.

وكالعادة كانت أغلب المنشورات الفيسبوكية ذات طابع متحمس وجاد أحيانًا وساخر وطريف أحيانًا أخرى، كون المحافظة لا يتوفر فيها مقومات اقتصادية تؤهلها لذلك. لكن فكرة إنشاء إقليم الديوانية جاءت بهدف توسيع صلاحيات الحكومة المحلية من أجل إكمال المشاريع المتوقفة منذ أعوام نتيجة الأزمة المالية التي خيمت على العراق مؤخرًا. فالدستور العراقي الجديد حدد إجراءات إنشاء الأقاليم في المادة 119 عن طريق طلب ُيقدم إلى مجلس الوزراء من ثلث أعضاء مجلس المحافظة أو طلب من عُشر الناخبين في المحافظة التي تروم تكوين الإقليم.

لم تكن الديوانية هي أول محافظة عراقية تدعو للمطالبة بتشكيلها إقليمًا، فأول المطالبات بأن تصبح المحافظة إقليمًا كانت من مدينة البصرة الغنية بالنفط، حذت حذوها من بعد ذلك محافظة ذي قار، لتصل اليوم إلى محافظة الديوانية. وهذه المحافظات كلها ذات أغلبية شيعية.

أما فيما يخص المحافظات ذات الأغلبية السُنية، فقد كان مجلس محافظة صلاح الدين قد طلب بشكل رسمي من الحكومة الاتحادية في 2011 الشروع في إجراءات أقلمة صلاح الدين، لكن المشروع فشل بفعل مماطلة الحكومة التي كان يقودها في ذلك الوقت نوري المالكي.

غايتي من هذا كله؛ أن الفيسبوك يصوّر لنا الخِلاَف أكبر من حجمه أحيانًا، لكنه في الواقع خلاف قابل للنقاش، ولهذا بعد ذبول طاقة الشغف بالموقع وتأثيره المحفز للاختلاف بين دوائر الطبقات العليا من المجتمع، بدا أن الشيء اللافت في الفيسبوك هذه الأيام، أن كثيرًا من أبناء المحافظات ذات الأغلبية الشيعية بدؤوا «يؤجلون» حساسيتهم المفرطة من كلامنا حول الأقاليم واعتراضاتهم الفيسبوكية حول خطرها على الدولة العراقية.

والشيء الأهم في هذا المشهد؛ هو أنهم بدؤوا «يحاولون» أيضًا تفهم الوقائع التي لا تُعجب السُنة، ولا تعجب كثيرًا من العراقيين، والتي كانت السبب وراء دعوة أبناء المحافظات ذات الأغلبية السنية لفكرة إنشاء الأقاليم في احتجاجاتهم وتظاهراتهم، والتي استمرت لمدة عامٍ كاملٍ، حيث كانت تقابل دعواتهم ومطالباتهم بالرفض والتخوين.

على أي حال، لعل مبادرة تلك الطبقات الشيعية بتأجيل «حساسيتهم» من كلام السنة حول الأقاليم، تشجع السنة على تأجيل حساسيتهم حيال ملفات أخرى أيضًا، لنتمكن جميعًا من التركيز على هدف واحد؛ هو إعادة صياغة علاقتنا ببعضنا البعض وفقًا لحسابات وطنية جديدة، بما يضمن نهاية لهذا الصراع.

المصدر: ساسة بوست

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: