امانة بغداد:11 ألف طن من النفايات يومياً .. والفساد يحيل دون تنفيذ الحلول

هيئة التحرير 716 مشاهدات0

  

حدثان متزامنان يكشفان عن عمق الأزمة الّتي تعانيها البيئة في العراق: الأوّل، إقدام تنظيم "داعش" في 7 آب/أغسطس من عام 2016 على مدّ أنبوب نحو نهر دجلة لضخّ نفط مصفاة القيارة الواقع جنوب مدينة الموصل في مياهه. والثاني، تأكيد أمانة بغداد في 6 آب/أغسطس من عام 2016 أنّ معدّل النفايات الّتي تفرزها العاصمة بغداد يوميّاً يبلغ نحو 11 ألف طنّ، وأنّ "الفساد" في الدولة يحول دون وضع الحلول المناسبة.

 

 

وعلى هذا النّحو، تتّجه البيئة في العراق نحو المزيد من التلوّث بسبب السلوكيّات المضرّة من قبل أفراد يتعاملون مع المحيط الّذي يعيشون فيه بطريقة خاطئة وغير مسؤولة مثل إلقاء النفايات والأوساخ في الأنهر والساحات العامّة أو نتيجة الحروب الّتي خاضتها البلاد وما تخلّلتها من أنقاض الأسلحة والمعدّات واستخدام الموادّ المشعّة في المعارك أو الإهمال الحكوميّ وسوء تنفيذ المشاريع، كالّذي اعترفت به لجنة البيئة في مجلس محافظة ديالى – شماليّ بغداد بـ29 تمّوز/يوليو من عام 2016 لوسائل إعلام، أنّ "برامج تشجير المدن فاشلة منذ عام 2003، وأنّ زحف المساكن التهم 30 في المئة من الأحزمة الخضراء".

 

وفي كلّ أنحاء العراق، انحسرت المساحات الخضراء وتآكلت مساحات البساتين بسبب التمدّد العمرانيّ إليها، حيث يبني الناس في المزارع والبراري من دون موافقات قانونيّة، ممّا زاد من العواصف الترابيّة، الّتي تترك الرمال والغبار على المساكن والطرق وتؤثّر على صحّة الناس، لا سيّما المصابين بأمراض التنفّس، وترفع من درجات الحرارة في البلاد، الّتي تصل في فصل الصيف إلى نحو خمسين درجة مئويّة، الأمر الّذي دفع عضو لجنة الصحّة والبيئة النيابيّة عبدالله الجبوري في29 تمّوز/يوليو من عام 2016، وعبر وسائل الإعلام، إلى مطالبة الحكومة بـ"إنشاء مشروع بيئيّ لمجابهة موجات الحرّ".

 

وفي هذا الإطار، قال الخبير في وقاية المزروعات بمديريّة زراعة بابل – جنوبيّ بغداد صالح عبّاس لـ"المونيتور" في بابل: "إنّ البيئة في العراق هي ضحيّة الجهل البيئيّ وضعف القانون وغياب المحاسبة والمتابعة الحكوميّة، ممّا سهّل التّجاوز على الثروة الطبيعيّة، مثل النّخيل الّذي انخفضت أعداده في شكل يبعث على القلق وإقامة المشاريع الصناعيّة والسكنيّة في البساتين".

 

وإنّ أحد مصادر التلوّث البيئيّ هو الأنقاض وأكوام القمامة، الّتي تنتشر في المدن والطرق الخارجيّة. ففي محافظة الديوانيّة – جنوبيّ بغداد، تنتشر النفايات في شكل واسع، لكنّ مجلس المحافظة حمّل في 27 تمّوز/يوليو من عام 2016 وزارة الماليّة "مسؤوليّة ذلك لعدم تخصيصها الأموال اللاّزمة لمعالجة الأمر".

 

وعلى الطريق الدولي من بغداد إلى بابل، لمح "المونيتور" أعداداً من المركبات المحترقة، الّتي تزداد مع مرور الوقت لأنّها تترك في العراء من دون وجود خطط لسحبها ورميها في أماكن مخصّصة للسكراب. ولقد تحوّل هذا الطريق المهمّ بعد سرقة أسيجته الخارجيّة إلى مجزرة طبيعيّة للحيوانات البريّة، الّتي تصدمها مركبات المنطقة بقوّة. وعلى مسافة 20 كلم من آثار كيش التاريخيّة القريبة من آثار بابل التاريخيّة، تركت ناقلة وقود محترقة منذ أكثر من ثلاث سنوات ولم يتم إخلاؤها ليعلوها الصدأ وتسكنها الكلاب والحيوانات البريّة، ومثلها هناك العشرات من المركبات المتضرّرة في العراء.

 

كما أنّ آثار العمليّات العسكريّة للجيش مع تنظيم "داعش" في فترات متقطّعة منذ عام 2003 أضرّت بالطريق الدوليّ المهمّ، الّذي يربط جنوب العراق بوسطه، حيث الإسفلت الذائب نتيجة حرائق القنابل، والجسور الّتي هدّمتها المعارك.

 

وقبل ذلك، خلال الحرب العراقيّة – الإيرانيّة (1980-1988)، لوّثت المعدّات الحربيّة والتّحصينات، البيئة، حين تمّ تأهيل أجزاء واسعة من المزارع والبراري للأغراض القتاليّة. وما زال الكثير من القنابل والألغام والجثث المدفونة الّتي تظهر مع الأمطار، يقلق سكّان المناطق هناك. وقد أدّى هذا التّجاوز على البيئة إلى استنتاج في 29/07/2016 للباحثة العراقيّة سعاد العزاوي، أنّ "الزيادة في نسب الأمراض السرطانيّة والتشوّهات الخلقيّة في العراق يعود إلى ارتفاع مستويات التلوّث".

 

ومن الأمثلة على ما ذكرته سعاد العزاوي، الحرق الممنهج لعشرات الأطنان من المخلّفات والنفايات الطبيّة وبعضها يحتوي على موادّ ملوّثة ومعدية، وحتّى أجزاء بشريّة، عند أطراف أربيل عاصمة الإقليم الكرديّ في الشمال.

 

وجاءت الضربة القاضية للفعاليّات البيئيّة بدمج وزارة البيئة مع وزارة الصحّة في 16 آب/أغسطس من عام 2015، واعتبارها جزءاً من وزارة الصحّة، فشعر عراقيّون بالخطر الّذي يحدق في بيئتهم، ونظّموا فعاليّة للدفاع عنها وحمايتها على صفحة أصدقاء البيئة في العراق التفاعليّة على "فيسبوك".

 

إنّ الحلول لمشاكل البيئة في العراق تكمن، وفق ما قال أستاذ العلوم البيئيّة في جامعة القادسيّة الدكتور أحمد عبد خلال حديثه لـ"المونيتور" في بابل، بـ"الاستفادة من تجارب الدول النامية في التأسيس لمواقع طمر صحيّ نظاميّة، وتكرير النفايات وتدويرها وفق تقنيّات حديثة". أضاف: "لا تزال القمامة تتكدّس عند أطراف المدن على شكل تلال هائلة. وفي بعض الأحيان، يتمّ حرقها، ممّا يتسبّب بأضرار صحيّة جسيمة".

 

ودعم الاتّجاه في الاستعانة بالخبرات الأجنبيّة عضو لجنة البيئة والصحّة النيابيّة توفيق الكعبي، الّذي قال لـ"المونيتور" في بغداد: "إنّ البيئة العراقيّة تحتاج إلى تعاون دوليّ مصحوب بالحرص من قبل المواطن على بيئته". أضاف: "إنّ الأزمة الماليّة الّتي يمرّ بها العراق ستحول دون تحقيق ذلك في المستقبل القريب".

 

من جهته، رأى الأكاديميّ في العلوم الزراعيّة الدكتور عامر حبيب من جامعة "المسيب" التقنيّة في حديثه لـ"المونيتور" في بابل أنّ "تأهيل البيئة يتطلّب الاستعانة بالخبرات الجامعيّة والجهات الأكاديميّة المحليّة، لا سيّما أنّ هذه المشاريع بغالبيّتها يتعهّد بها مقاولون ليست لديهم الخبرة والتّجربة".

 

وأخيراً، لن تنقذ بيئة العراق ما لم تتّحد هذه المشاريع الّتي تحدّث عنها المشاركون في خطّة واحدة تستثمر الخبرات الأجنبيّة والمعارف الأكاديميّة المحليّة وتعزّز الوعي البيئيّ، وتوفّر الأموال اللاّزمة لتطوير البيئة.

المصدر : المونيتور-وسيم باسم

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: