كيف تغير الصراعات الطائفية ديموغرافية العراق باستمرار؟

هيئة التحرير 1.3K مشاهدات0

العراق

تتغير ديموغرافية المناطق بفعل مجموعة من العوامل، التي تعمل على نحو متواصل على إحداث تغيير واضح في البنية السكانية خلال ظرف قصير، منها الهجرة و التكاثر المتسارع والحروب، وهناك أيضا الطائفية الدينية.

ولعل أحد هذه البلدان التي شهدت تغيرًا ديموغرافيًا من حيث توزيع السكان على المناطق هي العراق، التي تضم ثلاثة مجموعات أساسية، وهي: العرب الشيعة، الذين يشكلون أغلبية نسبية، ويعيش معظمهم بالجنوب، ثم السنة، الذين يستقرون بالمناطق الشمالية الغربية، وأخيرًا الأكراد، ويتمركزون بأقصى الشمال في العراق.

 

خريطة تبين توزيع إثنيات السكان بالعراق
  •  
  •  
  •  
  •  

بداية التحولات الديموغرافية بالعراق

بعد الإطاحة بنظام صدام حسين سنة 2003، شهد العراق تحولات سياسية واسعة، نتج عنها تنافس شرس حول السلطة بين المكونات العراقية، استخدمت فيه الانتماءات الدينية المذهبية بشكل مكثف، كوقود لبلوغ المناصب الحكومية عبر استقطاب الأنصار والرعايا، ما أدى في الأخير إلى تشكيل مناخ خصب للطائفية الدينية، لا يزال البلد يعاني منه حتى الساعة.

وصل الاحتقان الطائفي ذروته خلال 2006، عقب عملية تفجير لمرقد الإمامين العسكريين في مدينة سامراء، بدأت في أعقابها معركة دموية مفتوحة بين الشيعة والسنة داخل المدن والأحياء العراقية، استمرت طوال عامين، وخلفت عشرات آلاف القتلى والمعطوبين والمهجرين العراقيين.

 

خريطة تظهر كيف تبدو مدينة بغداد بين عامي 2005 و 2007 بفعل الحرب الطائفية بين الشيعة والسنة
  •  
  •  
  •  
  •  

كانت تلك الفترة القصيرة، كافية لتغيير خريطة العراق السكانية بشكل بارز في العديد من المناطق، مثل بغداد والموصل والبصرة وغيرها، حيث تبادلت الميليشيات الشيعية والسنية التفجيرات والاغتيالات وأعمال التخريب والاعتداءات، بحق المدنيين المحسوبين على الطائفة الأخرى، بغرض إرغام العوائل العراقية على مغادرة بيوتها نحو مناطق أخرى، بعيدًا عن منطقة الأكثرية الشيعية أو الأكثرية السنية.

بهذه الطريقة، تحولت العديد من مناطق العراق إلى ما يشبه مساحات مقسمة بشكل فرزي على أساس طائفي، بعد أن كانت تعرف تنوعًا دينيًا بين الساكنين في نفس المنطقة، بل إن هناك مدنًا كاملة مُسخت، وأخرى جرى تغيير اسمها، كما حدث في جرف الصخر بمحافظة بابل التي أصبحت جرف النصر.

ولا تزال العاصمة بغداد تئن تحت وطأة التفجيرات الانتحارية والاغتيالات الطائفية، في مسلسل لا تبدو له نهاية حتى الآن من عمليات الانتقام المتبادلة بين الشيعة والسنة، بدعم من أطراف إقليمية تجاور العراق.

ديالي.. من تنوع سكاني إلى طائفة واحدة

تمثل محافظة ديالي النموذج المصغر للتغير الديموغرافي الذي يحدث في العراق، فبعد أن كانت تعرف تنوعا دينيًا وعرقيًا متوازنًا، بين الشيعة والسنة والأكراد، بالإضافة إلى أقليات دينية أخرى، لحقها تغيرات ديموغرافية بارزة، نتيجة تنافس الشيعة والسنة للسيطرة عليها.

خلال أوج الحرب الطائفية في 2006، شهدت ديالي أحداث قتل متبادلة بين الشيعة والسنة، وكان لتنظيم القاعدة حينها النفوذ الأكبر، حيث قامت بعمليات تطهير بحق المدنيين الشيعة والأقليات الدينية الأخرى. حدثت في هذا المناخ القاتم آنذاك، عمليات تهجير واسعة للعراقيين المدنيين.

بعد سنة2009 تحسنت الأوضاع الأمنية بالمنطقة، وعاد إليها المهجرون، بيد أن الصراعات السياسية بين الشيعة والسنة لم تهدأ، وفي 2014 سيطر عليها »تنظيم داعش، بعد أن احتل الموصل، ثم حررها الجيش العراقي بعد ذلك، بمساعدة الميليشيات الشعبية، التي اتهمت»
بارتكاب انتهاكات ضد مدنيين وتفجير مساكن ودور عبادة في ديالى، من أجل إفراغها من السُكان السُنّة«، وشهدت المحافظة عمليات قتل جماعي متبادلة، راح ضحيتها مدنيين سنة وآخرين شيعة.

يُتهم الشيعة في ديالي بمحاولة إحداث تغليب للطائفة الشيعية في المنطقة، بإيعاز من إيران، بينما يُتهم السنة بتلقي الدعم من قطر والسعودية والتواطؤ مع »تنظيم داعش«، ويستمر التناحر بين الطائفتين حتى الساعة، دون أن تظهر مؤشرات قريبة للتعايش السلمي بين الانتماءات الدينية بالمدينة.

الأقليات يدفعون الثمن

إذا كان الصراع الدموي بين الشيعة والسنة، حول السلطة والنقاء المذهبي، في المناطق التي يتمركز كل طرف منهما بها، فإن الأقليات الدينية تدفع تكلفة هذا الصراع، وتضيع وسط هذه الحرب الكبرى، دون أن يكون لها يد في ذلك.

بدأ التصعيد في استهداف المسيحيين منذ عام 2004، عندما تعرضت العديد من الكنائس إلى التفجيرات الانتحارية والسيارات المفخخة، من طرف تنظيم »القاعدة«، الذي سبق أن فجر كنيسة مار يوحنا في الدورة جنوبي بغداد، وكنيسة العذراء في حي المعلمين، وكنيسة مار يوسف وغيرها، كما تعرض حينها المدنيون المسيحيون إلى الاغتيالات العشوائية، وحملات الاعتداء والتخريب طوال السنوات التالية.

تسبب الاضطهاد الديني الذي لحق الطائفة المسيحية بالعراق، في هجرة معظم المسيحيين العراقيين إلى الدول المجاورة والبلدان الأوروبية، حتى أن العاصمة بغداد التي كانت تعرف تواجدًا ديموغرافيًا مسيحيًا مكثفًا، أصبحت شبه خالية من الطائفة المسيحية.

ولا يختلف حال الأقليات الدينية الأخرى عن المسيحيين، فالبهائيين والكاكائيين واليهود والصابئة المندائيين وغيرهم، جميعهم تعرضوا للقهر الديني وعمليات التهجير القسري، وبعضهم تعرض للإبادة، حتى صارت بعض الأقليات على وشك الانقراض في العراق.

»داعش« يستهدف الطوائف الدينية

لم يغير »داعش« الخريطة الجغرافية للعراق فقط، بل أحدث أيضًا تغييرات عميقة في الخريطة الديموغرافية للبلد، إذ يعمل التنظيم جاهدًا على إبادة الأقليات
الدينية بمختلف أنواعها، في المناطق التي يسيطر عليها، ويستولي على ممتلكات الفارين.

كان استيلاء «داعش» على الموصل بمثابة كارثة على المسيحيين هناك، بعد أن فضل عشرة آلاف مسيحي مغادرة مدينة الموصل على البقاء فيها، حسب رئيس ديوان أوقاف المسيحيين في العراق رعد كجه جي، بعد أن خيرهم التنظيم بين الإسلام أو تقديم الجزية أو السيف.

 

أما حال اليزيديين فلا يقل سوءًا، حيث ارتكب تنظيم «داعش» بحقهم مذابح جماعية، صنفتها منظمات حقوقية دولية، ضمن «جرائم الحرب ضد الإنسانية»، كما استعبد آلاف النساء والأطفال من الطائفة اليزيدية كـ«سبايا حرب»، وكان التنظيم قد حاصر الآلاف من اليزيديين سنة 2014 في سهل نينوى، قبل أن تتدخل قوات فرنسية وأمريكية، كسرت الطوق عنهم وأمدتهم بحاجات الحياة الأساسية.

ونفس الشأن ينطبق على أتباع الطائفة البهائية والصابئة المندائية والشبكَ والكاكائية، فكلهم نالوا حظًا وفيرًا من الإبادة الطائفية، التي تنفذها «داعش» بحق الأقليات الدينية، وهو ما دفع بعض الأصوات الدولية إلى فرض منطقة آمنة لصالح الأقليات الدينية، بعيدًا عن الصراع الشيعي السني بالمنطقة.

الأكراد يقتطعون مزيدًا من مناطق العرب

في خضم الحرب التي يخوضها الأكراد مع تنظيم «داعش»، بمساعدة من طائرات التحالف الدولي، تمكنت قوات البشمركة الكردية من تحرير مناطق عدة من التنظيم، إلا أنها سعت بالمقابل إلى ضمها كجزء من الأراضي الكردية، التي تطمح لتأسيس دولتها فوقها.

 

فبعد أن سيطرت البشمركة على مساحات شمال العراق، قامت بعمليات تهجير قسري للمدنيين العرب بتلك المناطق، كما أنها تمنع المواطنين غير الأكراد الفارين من العودة إلى مناطقهم، بعد تحريرها من قبضة «داعش».

وقد سبق لمنظمة العفو الدولية أن اتهمت القوات البشمركية، بإحداث تغيير ديموغرافي لصالح الأكراد، حين صرحت دوناتيلا روفيرا، كبيرة مستشاري التعامل مع الأزمات في منظمة العفو الدولية، قائلة: «تقود قوات حكومة إقليم كردستان على ما يبدو، حملة منسقة لتشريد المجتمعات العربية عمدًا، عبر تدمير قرى بالكامل في المناطق التي انتزعوا السيطرة عليها من داعش في شمال العراق»

كما تُتهم الأحزاب الكردية بمحاولة ضم كركوك إلى منطقة الأكراد، عقب نجاح القوات الكردية في تحريرها من سيطرة «داعش».

هكذا إذن، تبدو البنية الديموغرافية بالعراق آخذة في التغير والتشكل من جديد باستمرار، وسط الفوضى الأمنية والتطرف الديني، وما يراه البعض فسادًا مستشريًا في الدولة العراقية، ليصبح المدنيون، بمختلف انتماءاتهم، في الأخير ضحية الإبادات والتهجير القسري، وهو الشيء الذي يؤثر في الخريطة الديموغرافية للعراق.

المصدر:خالد بن الشريف – ساسة بوست 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: