تشيلكوت البريطاني: حقائق الحرب على العراق عام 2003.. و المصالح البريطانية

هيئة التحرير 355 مشاهدات0

بعد سبع سنوات من تشكيل لجنة تشيلكوت، وهي لجنة بريطانية مستقلة مختصة بالتحقيق في مشاركة بريطانيا في الحرب على العراق عام 2003، نشر رئيسها جون تشيلكوت تقريرا يوضح في خلاصته أن صدام حسين لم يكن يشكل خطرا على المصالح البريطانية، وان اسلحة الدمار الشامل التي زعم ان النظام العراقي كان يمتلكها، لم تكن موجودة، وان الحرب التي قامت بها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد العراق لم تكن ضرورية. لعل هذه الخلاصة تكتسب اهميتها بالنسبة الى البريطانيين من أهالي من قتلوا، الى الحد الذي يشكلون ضغطا كبيرا على الحكومة البريطانية من أجل صدور تقرير يساهم في تنفيس الغضب المعتمل لدى ذوي المصابين والقتلى، أكثر منه امتثالا لاخلاقيات تعيد النظر في اداء كارثي في مرحلة من المراحل التاريخية. في بلدان منطقتنا، غالبا ما نتطلع الى لجان تحقيق لا تشكل فقط تبرئة للساحات أو للذمم أمام الشعوب، ونعتقد ان الدول الغربية العريقة في الديموقراطية تعتمدها. لكن سرعان ما يكتشف المهتمون أن اللجوء الى لجان التحقيق ليس كله دوافع أخلاقية بمقدار ما يرتبط بدوافع سياسية أيضا. وما يعني المهتمين بمتابعة هذا التقرير أنه لم يحمل جديدا في خلاصاته بعدما كان خروج جورج دبليو بوش ومجيء الرئيس باراك اوباما على وقع هذه الخلاصات استنادا الى الشهادة التاريخية لوزير خارجيته كولن باول أمام مجلس الامن عن امتلاك صدام حسين لاسلحة الدمار الشامل وتعرض هذه الشهادة للنقض على أكثر من مستوى. وللمفارقة، كانت ثمة عبارة شهيرة لكولن باول قالها لبوش يومئذ، هي: "إذا كسرت العراق فعليك ان تصلحه"، في اشارة يومها الى تحذيره من ان تدمير العراق وإطاحة صدام او النظام سيحمل الولايات المتحدة مسؤولية إصلاح العراق. وهو ما فشلت فيه الولايات المتحدة عبر كل الخطوات التي اتخذتها لاحقا، حتى إبان الادارة الحالية التي سعت الى الانسحاب من العراق ردا على الحرب التي كانت خاضتها الادارة السابقة عليه. إلا أنه ما يعني المنطقة وليس فقط العراق في هذا التقرير وسواه من التقارير التي أدت الى الخلاصات نفسها، ليس تلك الاسئلة التي تثيرها عن الاستخفاف بالمعلومات او السعي الى المعلومات المؤكدة والتثبت منها او اهمال استشارة الحكومات او المسؤولية الشخصية لطوني بلير او مدى تبعيته التي كانت معروفة وعلى رؤوس الاشهاد للرئيس الاميركي جورج دبليو بوش، بل هو مدى إهمال التداعيات الكارثية للقرارات التي اتخذتها بريطانيا، الى جانب الولايات المتحدة في الحرب على العراق. فحتى لو تمت محاكمة بلير، وهذا ليست في خلاصة التقرير، فإن المحور الذي لا توجد إجابة عنه هو كيف يمكن معالجة ما ارتكبته هذه الدول، وقد ساهمت قراراتها والحرب التي خاضتها ليس في تغيير هوية بلد وتدميره، بل في تغيير معالم المنطقة وهز أركانها. فبريطانيا تعالج من خلال التقرير أزمة خاصة تتعلق بها، لكنها أزمة لم تقتصر عليها ضمن حدودها، ومن السخافة القول إن دولا تذهب الى حرب كبيرة في منطقة بعيدة منها ولا تدرك او تدرس ماهية او طبيعة الاحتمالات التي يمكن ان تؤدي اليها. ويذكر سياسيون كثر في العاصمة اللبنانية ان وفودا اميركية في شكل خاص زارت بيروت قبيل الحرب على العراق، ضمن الحملة الهادفة الى التحضير النفسي والمناطقي لهذه الحرب، وقد حصلت مواجهات كلامية خلال لقاءات متعددة تم خلالها تقديم نصائح بعدم وجوب الاستهانة بموقع العراق ولا بالتداعيات الخطيرة جدا للحرب عليه، لكن من دون أن تقيم هذه الوفود اي اعتبار حينئذ للآراء المعاكسة. ويعود ذلك الى أن أهدافا أكبر كانت وراء الحرب، وليس فقط الذرائع التي تم التلطي وراءها للذهاب الى الحرب والمساهمة في تغيير النظام.

وبالنسبة الى سياسيين متابعين، فإن تجاهل الضرر من القرارات البريطانية لا يوحي أن المراجعة محتملة أو ممكنة للسياسات الغربية، بل إن هناك رسالة تستشفها الشعوب في هذه المنطقة تحديدا، هي أن تقويم السياسات تمهيدا لإجراء اي محاسبة معنوية او جدية، يطاول حسابات الداخل وليس الخارج. يذكر البعض بالمنطق الذي اعتمده الرئيس باراك اوباما لتبرير عدم ايلاء اميركا الوضع السوري أولوية، بقوله انه بعدم ذهابه الى سوريا وفّر احتمال سقوط عناصر أميركية، لكنه تجاهل أنه عبر سياسته التراجعية أيضا تسبب بسقوط عشرات بل مئات الالوف من السوريين، علما أن الدول المقصودة هي دول قرار وصاحبة نفوذ وتأثير في العالم. والاشكالية في تقرير تشيلكوت البريطاني تكمن في فداحة تجاهل الضرر الذي تسببت به بريطانيا للعراق والمنطقة عبر إهمال الذهاب الى النهاية والنظر في التبعات الخطيرة للسياسة التي اعتمدت وعدم الاخذ في الاعتبار الضرر الذي لحق بالآخرين، وليس فقط بالبريطانيين عبر مئات بل الوف القتلى في العراق، والتغيير الجذري الذي لحق به. إذ إن ثمة ما يستدعي ذلك في هذه المرحلة، خصوصا أن تقويم نتائج هذه السياسة، أي خطأ الذهاب الى الحرب على العراق، يفترض ان يلحظ ارتدادها على بريطانيا نفسها عبر جملة عوامل، في مقدمها أزمة اللاجئين التي لم تقتصر على أولئك الهاربين من نيران الحرب السورية، بل العراقية ايضا، اضافة الى أزمة الارهاب التي عمت المنطقة، وصولا الى الدول الغربية التي تتحمل جزءا أساسيا وكبيرا مما وصلت اليه الامور على هذا الصعيد.

روزانا بومنصف – موقع النهار

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: