جحيم العراق القادم.. وخيارات سُنّة البلاد

هيئة التحرير 1.1K مشاهدات0

أدت حادثة اقتحام «المنطقة الخضراء» وسط بغداد، من قبل متظاهري «التيار الصدري»، إلى تزايد حدّة الخلافات «الشيعية/الشيعية»، وطفوها على سطح المشهد العراقي ـ بشكل لافت ـ أكثر من أي وقت مضى.

الأمر الذي جعل مراقبين للشأن العراقي يكادون يجمعون على أن صراعًا شيعيًا/شيعيًا قادم لا محالة، وسيكون السلاح هو الحَكم بين الأطراف المتصارعة؛ في ظل وجود العشرات من «المليشيات» الشيعية المسلحة، بصورة رسمية، وغطاء حكومي.

وتشير أغلب التحليلات إلى أن «الجحيم القادم» سيكون المخاض العسير لتقسيم العراق، وولادة الأقاليم، لا سيما أن خطوة اقتحام المنطقة الخضراء جاءت بعد زيارة «جون بايدن»، نائب الرئيس الأمريكي إلى العراق،  وكما هو شائع، فإن بايدن يُعدّ رائد فكرة تقسيم العراق إلى أقاليم ثلاثة: شيعي وسني وكردي.

وأوصل بايدن رسالة، مفادها أن الأمر بات على الأبواب، وبدا الموقف جليًا عندما هرعت القيادات الكردية إلى تكثيف طرح خيار الانفصال، وتقرير مصير «إقليم كردستان»، بعد حادثة اقتحام المنطقة الخضراء، واعتداء المتظاهرين على بعض «النواب الأكراد».

في خضم ذلك كله، أين سُنّة العراق؟ وما موقفهم: سياسيون وجمهور؟

قبل الإجابة على ذلك، لابد من إجراء مسح سريع؛ للتذكير بمواقف لساسة السُنة، وجمهورهم، خلال الـ13 سنة المنصرمة: فقد امتاز السياسيون منهم بتذبذب المواقف، وطغيان المصالح في أحداث سياسية عدّة، وفي وقت مبكر من عمر الاحتلال الأمريكي للبلاد، أما الجمهور السني فيمتاز، هو الآخر، بالبساطة والسطحية السياسية.

تذبذب ساسة السُنة في المواقف، وخسارتهم لجمهورهم، بات أمرًا واضحًا لا يحتاج إلى طول شرح، وعناء بحث، ولعلّي أُذكّر بموقف لهم عام 2005، وإصرارهم على رفض التصويت لصالح الدستور العراقي الجديد آنذاك، بل قادوا الجمهور السني، الذي تبعهم ـ بكل حماسة ـ حينها إلى التصويت بـ«لا».

وقبل يوم من موعد الاستفتاء، غيّروا موقفهم؛ مطالبين جمهورهم بالتصويت بـ«نعم»؛ لتمرير الدستور؛ معلّلين ذلك بتطمينات أمريكية وشيعية، بإجراء التعديلات المطلوبة عليه، ولكن بعد تمريره.

كان هذا تبريرهم المعلن أمام الشارع السني، وما خفي كان أعظم، فالمصالح الشخصية طغَتْ، والصفقات تمّتْ، ومُرّرَ الدستور، ولم يُعدل بعدها، ولم يُلْقِ الساسة السُنة لجمهورهم بالًا، تاركين إياهم وسط الصدمة والذهول، ثم توالت إخفاقاتهم، وصفقات فساد بعضهم، إلى يومنا هذا، مع تبدّل الأسماء، وبعض الوجوه، ربما.

 جمهور سنة العراق .. البساطة السياسية والاستغلال السياسي

أولهما، هو لعموم الجمهور السني، وبمختلف طبقاته وتوجهاته، ويتمثل في انتخاب عدد كبير منهم لـ«إياد علاّوي» غير مرة منذ انتخابات 2005 وحتى 2014، وتاريخ علاّوي السياسي خلال هذه المدّة يؤكد أنه لم يُقدّم شيئًا، لا للسُنة، ولا للشيعة، ولا للعراق، وبإجماع السُنة أنفسهم، سوى أنه شتّت أصواتهم، وما انفك علاوي في لقاءاته التلفزيونية يردّد عبارة  «ما أعرف»(1)، والتي أصبحت «أيقونة له» بين العراقيين في مواقع التواصل؛ تأكيدًا على بُعده عن الواقع العراقي المُعاش.

بل تغيّب علاوي عن مئات الجلسات لمجلس النواب العراقي(2)! فتجريب المُجرّب، الذي ثبت فشله لسنوات، من أجلى صور البساطة السياسية، ومن الجدير بالذكر أن إياد علاوي ليس سنيًا، بل شيعي علماني!

وثانيهما، هو موقف لأبناء العشائر السُنية؛ فقد اعتصموا في محافظات «الأنبار، وصلاح الدين، وكركوك، والموصل، وديالي، وبغداد»، ولما يقرب من العام، ما بين 2012 – 2013؛ مطالبين بالإصلاح. فقامت القوات الأمنية ـ بعد مدّة، وبأمر من رئيس الوزراء نوري المالكي ـ بفضّ الاعتصامات بالقوة، وسفكت دماء المئات من السُنة، في مجزرة «الحويجة» بـ«صلاح الدين»(3)، ومجزرة «جامع سارية» في «ديالي»(4)، لينتفض أبناء العشائر، ويلقنوا تلك القوات درسًا قاسيًا؛ بالتعرض المسلح لبعض دورياتهم.

ووقع حينها في أيديهم عشرات الأسرى،  وهنا كانت المفاجأة؛ إذ عاملتهم العشائر على أنهم ضيوف؛ فسقوهم، وأطعموهم، وألبسوهم الزي العربي «الدشداشة» وأوصلوهم إلى أهليهم بسلام؛ بدافع إظهار حسن تعاملهم، وكرمهم، وطباعهم العربية الأصيلة، وسرعان ما تناست تلك العشائر دماء الحويجة وسارية، وآلاف المعتقلين الأبرياء والمعتقلات.

فالقوات الأمنية هي التي بدأت بالاعتداء وأراقت الدماء، ولا ضير من إكرام الأسرى، ولكن كان الأجدر احتجاز الجنود والمساومة بهم مع بعض نساء السُنة المعتقلات، على أقل تقدير، ولكنه لم يحدث! وقد يُسمي البعض موقف العشائر السُنية هذا نُبلًا أو كرمًا أو شهامة، وربما تحفظ العشائر الشيعية، وأبناؤها في القوات الأمنية، هذا الجميل، وتردّه يومًا ما، ولكن السطحية السياسية حالت دون ذلك!

وبالفعل فقد ردّ عناصر القوات الأمنية وأبناء العشائر الشيعية هذا الجميل قتلًا، وإهانة، عند معبري «الرزازة، وبزيبز»؛ عندما نزح أبناء الأنبار هربًا من جحيم المعارك بين «القوات العراقية»، وتنظيم «داعش»، ومن لم يستطع منهم التنكيل بأهالي الأنبار بيده، نكّل بهم عبر مواقع التواصل؛ بنشر صور ما لذّ وطاب من الأطعمة؛ تشفّيًا في أهالي «الفلوجة» الذين يموتون جوعًا؛ نتيجة حصار مدينتهم.

ووفقًا لتلك المواقف والمؤثرات في الوسط الداخلي للسُنة، والعشرات غيرها، مما يطول شرحه، داخليًا أو خارجيًا، فإن سُنة العراق هم الحلقة الأضعف في موازين القوى المتصارعة على أرض «الرافدين» اليوم، وهم بلا مشروع جامع أو خيارات جادّة، وباتوا ينتظرون ما سيسوقه لهم القدر على يد أمريكا أو غيرها.

وبما أن كفة التقسيم هي الراجحة، خلال السنوات القليلة القادمة، كحل للمعضلة العراقية؛ فعلى السُنة التفكير جديًا في ترتيب إقليمهم، وتهيئة الأرضية، والأجواء المناسبة لذلك، وثمة بصيص أمل، وقوة، لدى بعض عشائر الأنبار، يعوّل عليها في إدارة الأزمة القادمة؛ إذ قاومت بعض تلك العشائر أي اعتداء حاول دخول أراضيها، وفك تماسكها، سواء كان تنظيم داعش أو الميليشيات، وأكسبتهم تلك السنوات – على الرغم من الإخفاقات – خبرة ميدانية وسياسية، ونأمل أن يوافي عملهم قدرًا رحيمًا لانتشال سُنة العراق وحفظ هويتهم.

وبالنسبة للشارع السُني عمومًا، في بغداد وغيرها، فإنه يعتقد أن المعركة القادمة شيعية/شيعية، وستدعهم المليشيات في أسرابهم هانئين، لو دقت طبول الحرب، فأذكّرهم أن أتباع التيار الصدري ومليشياته، هم من بدأ فيكم ذبحًا، وحرقًا لمساجدكم، وقتلًا لعلمائكم ورموزكم عام 2006، بعد تفجيرات «سامراء»، وإن كانوا اليوم أصدقاء، فالأمر وقتي، ليس إلا، ولابد من تحوّل نارهم صوبكم؛ للتخفيف عن صراعهم، وتوجيه بوصلتهم ضدكم.

ومن باب المحافظة على الدماء، وبحكم تجارب السنوات الماضية، فعلى «العوائل السنية» المستضعفة أن تجد لها مخرجًا على المستوى الشخصي، وتفكّر جديًا في ملاذ آمن؛ فيما لو دقت طبول الحرب، حتى تنجلي الأزمة والمخاض العسير، والتي من المفترض أن العراقيين عمومًا، والسُنة على وجه الخصوص، باتوا يعرفون بوادر إقبالها؛ بحكم تجاربهم خلال الـ13 سنة المنصرمة، وإلا فلن يقف لهم سياسي فاسد، أو مليشياوي حاقد.

المصدر : احمد صالح هافنغتون بوست

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: