عامرية الفلوجة.. هل اصبحت الحبشة الجديدة؟

مصطفى البدراني 2.6K مشاهدات0

مصطفى البدراني – الخلاصة
 
ناحية صغيرة، عدد سكانها لايتجاوز 30 الف نسمة، مجمع سكني صغير وتسكن المنطقة عشيرة انبارية عريقة هي عشيرة ( البو عيسى) التي ترجع في اصولها لقبيلة (طي) اليمنية.
 
حتى وقت قريب كانت عامرية الفلوجة لا يعرفها الكثير من الناس لصغر مساحتها وتبعية المنطقة اداريا لقضاء الفلوجة الذي كان مركزاً للاحداث الساخنة ولفترة طويلة من الزمن، بالاضافة إلى انشغال ساكني هذه المنطقة (البو عيسى) بأمور الزراعة وحرث الارض ورعايتها.
 
لكن الاقدار كانت تخبئ الكثير من المفاجآت، والايام الاخيرة كانت حبلى بالاحداث التي اخرجت ( عامرية الفلوجة) من عزلتها لتتصدر واجهة الاحداث، ولتكون قبلة الانظار بمواقف اهلها ورجالها (البو عيسى) .
 
من كان يظن ان مدينة صغيرة تنام على جرف الفرات هادئة وادعة ستغدوا يوما قبلة المهاجرين والهاربين من هول المعارك والمجازر.
 
ومن كان يظن ان مجمعا سكنيا صغيراً تحده الصحراء من ثلاث جهات سيكون وجهة الفارين بأنفسهم ودينهم من هول تشيب له الولدان. نعم انها ( عامرية الفلوجة) ليست اسطنبول ولا باريس ولا برلين ولا حتى اربيل ولا بغداد، انها عامرية الفلوجة برجالها ونسائها وشبابها من عشيرة ( البو عيسى) ، لا بل قل انها ( الحبشة) نعم هي كذلك بالنسبة لنا اليوم ولاهل الفلوجة الذين فروا فقط بدينهم وما يلبسون من هول جحيم لايبقي ولا يذر.
 
ان ماسطره ابناء ( البو عيسى) من مواقف كبيرة تجاه اهالي الفلوجة خلال الفترة القليلة الماضية جعل كل شخص من ابناء هذه العشيرة ذات (14 فخذا وفرع) كل فرد منها وقف ومد يد العون وساعد، جعل كل واحد منهم (نجاشي العامرية) .
 
ولا ابالغ هنا ان قلت ان الغالبية العظمى من ابناء ( البوعيسى) قد ساهموا وساعدوا وكانت لكل واحد منهم لمسات وبصمات كثيرة وكبيرة تجاه اهلهم واخوتهم من النازحين من اهل الفلوجة الذين في غالبيتهم من عشائر اخرى مثل ( الجميلة، وزوبع، والبو بدران، وشمر، وحلابسة، وبو علوان، و……. والقائمة تطول).
ان صور تلقف ابناء العامرية لاخوتهم واهلم النازحين واعانتهم بما يستطيعون ويقدرون عليه لهي نبضة حية من داخل هذه الامة الموجوعة، نبضة رحمة في زمن قست فيه القلوب كثيرا. خذ مثلا على ذلك ان يقوم ابناء العامرية ( الغيارى) بخوض نهر الفرات سباحة نحو الضفة الاخرى من اجل ان يقوموا بمساعدة وحمل من لا يعرف السباحة من النازحين العالقين على ضفة النهر الاخرى ( جهة منطقة زوبع) ليعودوا وكل واحد منهم يحمل على ظهره شيخاً عجوزا لا يستطيع ( المشي) فضلا عن أن يقوم بالسباحة. او يحمل امرأة عجوزا وحتى غير عجوز ( انتخت به) وهزته غيرته الدينية والعروبية تجاه من نادت به، وكأنها نادت ( بالمعتصم).
 
ومثل اخر عندما تنادي مساجد المنطقة قبل دقائق قليلة من غروب الشمس واقتراب موعد الافطار والناس صائمون، عندما تنادي المساجد وتستنهض الرجال لأخذ (سياراتهم) وجلب اناس فارين في هذا الوقت من هول عظيم وانهم تقطعت بهم السبل في الصحراء، وينتخي الرجال وتزئر الاسود ( انا لها اليوم) ويتركون الإفطار وينسون الجوع وتعب النهار الحار الطويل ليأخذوا سياراتهم ويجلبوا من يستطيعون من الفارين الى منازلهم ليشاركوهم المسكن والطعام والامان.
 
وعلى الرغم من كل امكانياتهم الضعيفة الا ان اهل العامرية وادارة المنطقة لم ترد نازحا واحداً، ولا طردت من ارضها عائلة فارة بدينها وروحها، مثل ما فعلت بعض الدول التي صدعت رؤوسنا لقرون بالحديث عن حقوق الإنسان والتحضر.
 
ولا قطعت جسرا ولا واديا بوجه الفارين نحوها مثل مافعلت بغداد والحكومة العراقية. بل على العكس من ذلك فإن رجال (البو عيسى) سطروا سفرا خالدا في التاريخ يوم ان حصلت مجزرة الصقلاوية وذبح العشرات على ايدي المليشيات الشيعية في الحشد الشعبي ( المحررون الجدد) فقد خرج شيوخ البو عيسى وعلمائهم وادارييهم ومثقفيهم لينادوا بصوت عالي ولسان حالهم يقول: من اراد الخروج من الفلوجة وما حولها فليتوجه الينا ومن دخل العامرية فهو امن (وهذا الكلام ليس تشبيها للعامرية بمكة المكرمة فمكة ارض نعرف لها حرمتها وقدسيتها، ولكنها الحقيقة التي لا يغطيها ظلام)
 
فقد اصبحت العامرية الملاذ الامن لاكثر من (70) الف نازح يتواجد غالبيتهم في خيم تفتقر لادنى مستوى من (الإنسانية) ، فالامم المتحدة التي وعدتهم قد غدرت بهم وتركت الكثير منهم في الصحراء بلا خيام لتلجأ حكومة الانبار المحلية بامكانياتها القليلة ومع جهود الخيرين من ابناء المحافظة الى جلب بضع مئات من الخيم التي لاتكفي لسد ربع ربع الحاجة، والحكومة العراقية التي صدع رئيس وزرائها ووزير مهجريها رؤوسنا بحديثهم عن تخصيص الاموال لتجهيز المخيمات التي تكفي لاستيعاب النازحين في مناطق العامرية والحبانية، لكن النازحون لم يروا تلك المخيمات ولا الاموال التي خصصت لها.
 
بل ان الذي حدث انه مع تفاقم الازمة خلال (3) ايام الماضية لم نرى وجوه ولم نسمع صوت رئيس الوزراء ولا وزير الهجرة والمهجرين ولا المسؤول عن ملف النازحين في الانبار ( د. عبد اللطيف هميم) ، والامم المتحدة اكتفت خلال كل ذلك بزيارة تفقدية لبعض الخيم قامت بها منسقة شؤونها في العراق.
 
الحمل اصبح ثقيلاً جدا على ناحية العامرية واهلها قدموا ومازالوا يقدمون كل مايستطيعون، لكن الامر ثقيل وكبير ولا يجوز بأي حال من الأحوال ان تتحمل العامرية اكثر من هذا الضغط لان هذا سيؤثر على جوانب اخرى في تلك المنطقة واولها واخطرها الجانب العسكري والأمني للعامرية، فالخطر محدق والاعداء كثر ويتربصون.
يجب ان تتحرك حكومة الانبار سريعا وتتخذ خطوات عاجلة اولها الضغط على الحكومة المركزية من اجل فتح جسر بزيبز المغلق بوجه العوائل والسماح للنازحين بالمرور الى بغداد ومن هناك يحددون وجهتهم وطريقهم.
 
ويجب ايضا ارسال وفد من اعضاء المحافظة وشيوخ عشائرها وعلمائها وادارييها بالاضافة إلى مندوبين عن المنظمات الاغاثة ومنظمات المجتمع المدني للقيام بجولة على الدول المجاورة من اجل استحصال دعم لإنقاذ الاوضاع قبل ان تتحول
 
قبل أن تتحول الامور الى كرة ثلج متدحرجة يصعب ايقافها، وحسب العديد من المصادر فان هناك العديد من الدول مستعدة لتقديم المساعدة وارسال فرق خاصة للإغاثة لكنها تنتظر الموافقات الرسمية من الحكومة العراقية، فقبل ايام قليلة مثلا قافلة مساعدات للهلال الأحمر بالتعاون مع احدى الدول كانت متوجهة من بغداد الى عامرية الفلوجة لكنها منعت من عبور جسر بزيبز ( سيء الصيت) وتم ارجاعها الى بغداد. اين المحافظ من هذا الامر واين رئيس مجلس واعضاء المحافظة، الم يحن وقت الاستيقاظ من النوم وترك الصراعات جانباً ولو لفترة قليلة.
 
وفي نهاية هذا الحديث لابد من الاشارة هنا الى شهداء البو عيسى الذين ضحوا بأنفسهم من اجل انقاذ غريق في الفرات، او اغاثة ملهوف تقطعت به السبل في ارض ملغمة بالعبوات والمفخخات.
 
هؤلاء ستبقى ارواحهم شاهدة على ان هذه الامة المتراحمة تمرض ولا تموت.
نعم انها ( الحبشة الجديدة) او سمها ان شئت (عامرية الفلوجة).

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: