اقتصاد العراق في 2016: تبييض للأموال وتخفيض للرواتب وقروض بالمليارات

هيئة التحرير 2.2K مشاهدات0

  على مدار السنوات العشر الماضية، ظلت العراق في نفق مسدود من الأزمات الاقتصادية المتتابعة، التي أفقدت سلطاتها الحاكمة شرعيتها، وجعلها تفقد شعبيتها؛ على خلفية التراجع الكبير في إيرادات النظام الحاكم.

تنوعت مظاهر الركود الاقتصادي، بين الفساد المالي للقيادات الحاكمة، والوقوع تحت رحمة شروط مؤسسات الاقتراض الدولية، وبلوغ عجز الموازنة مستويات كُبرى، الأمر الذي انتهى إلى خفض للرواتب، وتسريح أعداد كبيرة من الشركات الأجنبية خارج البلاد.

34 مليار دولار.. قروض العراق من بعد صدام حسين

اتجهت السلطات العراقية منذ بداية الأزمة الاقتصادية عام 2003، إلى الاقتراض من الخارج والداخل، للتغلب على الصعوبات التي يعيشها الاقتصاد؛ إذ بلغت قيمة القروض الخارجية للعراق من «البنك الدولي»، و«صندوق النقد الدولي»، و«القرض الياباني والقرض الإيطالي»، ومن بنك «التنمية الإسلامي»، و«البنك الدولي للإنشاء والتعمير»، حوالي 9.7 مليار دولار، فيما بلغت قيمة القروض الداخلية من بنكي «الرافدين والرشيد التجاري» حوالي 25 مليار دولار في الفترة الممتدة 2003 إلى 2016.

وعلى خلفية الأزمات الاقتصادية الأخيرة التي تلاحق العراق، سعت مؤسسات التمويل الدولية، كصندوق النقد الدولي، إلى تقديم البديل الاقتصادي، عبر تيسير شروط الاقتراض منها. هذا الأمر كان دافعًا للسلطات العراقية، لتوقيع قرض من صندوق النقد الدولي، منذ أسابيع معدودة، بمبلغ 5,4 بليون دولار، في إطار دعم مالي، بحدود 15 بليون دولار، من المفترض أن يقدمه المانحون للعراق خلال السنوات الثلاث المقبلة.

منح صندوق النقد الدولي، القرض للعراق، سيكون على 13 دفعه لمدة ثلاث سنوات، تكون أول هذه الدفعات 600 مليون دولار، بينما يتولى الصندوق مُراقبة كل دفعة من دفعات القرض ضمانًا لصرفها بطريقة شفافه ومفيدة، حسب السياسة التي يتبعها الصندوق مع الدول المقترضة.

الوجه الآخر للاقتراض من المؤسسات الدولية يُلقي بظلاله على الطبقات المتوسطة في العراق، خصوصًا مع الصعوبات المعيشية التي تعيشها هذه الطبقة؛ إذ يرتهن هذا القرض بتخفيض الإنفاق الحكومي، وخفض فاتورة الداعم على المواد الغائية والوقود، بجانب زيادة نفقات القوات المُسلحة، حسبما يشترط الصندوق.

الشروط المُجحفة التي تنتظر العراق، كانت تعرضت لها في عام 2004؛ إذ فرض صندوق النقد الدولي خطة لخصخصة بعض القطاعات الاقتصادية، ورفع أسعار الوقود مقابل خفض ديون «نادي باريس» الذي يضم في عضويته الدول الدائنة للعراق، وإلغائها، وجدولتها، والتي كانت تقدر بنحو 50 مليار دولار.

أمام هذه الشروط المُجحفة التي يُلزم بها صندوق النقد الدولي، تتحايل الحكومة العراقية على هذا الأمر، بالتأكيد على أهمية القروض للاقتصاد العراقي؛ كونها تفتح الباب للدول الصناعية (G7) لإقراض العراق بشروط ميسرة.

تبييض أموال مسؤولين عراقيين

أحد مظاهر الأزمة المالية التي تعيشها العراق، هو بلوغ الفساد المالي مستويات قياسية انتهت لإهدار أموال طائلة، اندرجت أغلب عمليات الفساد تحت باب تهريب الأموال للخارج، وعمليات غسيل هذه الأموال من جانب مسؤولين رسميين في الحكومة العراقية.

شملت مظاهر هذا الفساد ضياع 228 مليار دينار (190 مليون دولار)، في مشاريع وهمية، خلال عام 2014 وحده، وعمليات غسيل للأموال وتهريب العملة، وتوجيه بعض الحوالات المالية لصالح شركات غير مذكورة في فواتير الشراء الرسمية.

كما بلغت قيمة الأموال المهدرة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة 245 مليار دولار، وبيع 360 مليار دولار من إيرادات العراق النفطية في مزاد العملة، في بغداد، الذي ينظمه البنك المركزي العراقي في الفترة بين عامي 2006 و2014؛ إذ تم تحويل هذه الأموال إلى خارج البلاد عن طريق شركات أهلية، ومصارف بطرق ملتوية، ومتحايلة على القوانين التي تنظم عمل المصارف العراقية.

يُظهر ذلك تقرير «منظمة الشفافية العالمية» لمؤشر الفساد لعام 2015، احتلال العراق المركز الثامن عالميًا، من أصل 170 دولة في مؤشر الفساد داخل البلاد، وسط مزاعم حكومية عن إصلاحات مستمرة للحد من الفساد المستشري في البلاد، عبر جملة من الإصلاحات التي تعتزم إجراءها.

أوضح التقرير كذلك، بلوغ حجم الخسارة للعراق خلال سنوات حُكم «نوري المالكي» ألف مليار دولار، كان نصيب الفساد منها وحده 100 مليار دولار. ودفع الفساد اقتصادها إلى حافة الانهيار، ونقل الطبقة المتوسطة والفقيرة إلى حافة الفقر المدقع.

سعت الحكومة العراقية لمواجهة أزمات الفساد المالية المتتابعة، من خلال استصدار قانون لمكافحة تبييض الأموال، ومنع إخفائها في قنوات رسمية، وإقرار قانون لمكافحة تبييض الأموال، لدعم القطاع المصرفي، لمعالجة قضايا غسل الأموال، والحيلولة دون منع إخفاء هذه الأموال في القنوات الرسمية.

موازنة 2016: عجز بقيمة 25 مليار دولار

الموازنة التي صدق عليها البرلمان العراقي، في بدايات 2016، ترسم ملامح الضائقة المالية التي تخيم على الاقتصاد العراقي، وتنعكس بصورة مُباشرة على حياة المواطن العراقي، سواء كان موظفًا في القطاع العام أو الخاص.

وحسب الأرقام المذكورة في الموازنة، بلغ قيمة العجز المالي 25 مليار دولار، والذي يمثل 25% من الموازنة الكلية، بزيادة على العجز في موازنة 2015 والتي بلغت نسبة العجز فيها 23% من الموازنة الكلية.

كما تحدد في الموازنة ثلاثة ملايين و600 ألف برميل، كتصدير نفطي، في موازنة 2016 وبسعر 45 دولار، وهو رقم يعتقد الخبراء أنه من الصعب بلوغه، على خلفية الأوضاع الطبيعية، في منطقة حوض الخليج غير المستقرة خلال فصول السنة، بسبب العواصف الترابية، التي تُؤدي إلى تأخير عملية النقل، كذا العامل السياسي غير المُستقر في المنطقة، إلى جانب التراجع الحاد في أسعار النفط، وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على عددٍ من مناطق استخراج النفط.

انعكاسات عجز الموازنة، ظهرت كذلك في مدى التزام الحكومة بسداد الأجور للموظفين في القطاع الحكومي، والتي قدرتها اللجنة المالية بقيمة 60 مليار دولار؛ إذ جرى تخفيض رواتب الموظفين بدءًا من يناير (كانون الثاني) 2016، بينما بررت السلطة العراقية هذا الأمر بـ«دعم الحشد الشعبي في حربه ضد تنظيم الدولة الإسلامية»، بالإضافة إلى أن الحرب ضد التنظيم، تحتاج سنويًا 10 ملايين دولار.

تخفيض رواتب موظفي القطاع الحكومي خلال العام 2016، أكدته تصريحات وزير المالية العراقي «هوشيار زيباري»، في الرابع من يناير (كانون الثاني) 2016، إذ قال «الحكومة العراقية لن يكون في إمكانها توزيع رواتب الموظّفين لشهر أبريل (نيسان) 2016، إذا ما بقي سعر النفط منخفضًا».

وبينما يعيش الموظفون العراقيون واقعًا مأزومًا على خلفية تخفيض الرواتب، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، يتقاضى المسؤولون رواتب مرتفعة؛ إذ يتقاضى الرئيس العراقي «فؤاد معصوم» 80 مليون دينار عراقي (66 ألف دولار) شهريًا، فيما يتقاضى نوابه الثلاثة، «نوري المالكي، وإياد علاوي، وأسامة النجيفي»، 60 مليون دينار عراقي (50 ألف دولار) شهريًا، لكل منهم، بينما يتقاضى أعضاء مجلس النواب، البالغ عددهم 325 نائبًا، رواتب تبلغ 13 مليون دينار (11 ألف دولار) شهريًا لكل نائب.

كما جرى استثناء الموظفين التابعين لهيئات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، من قانون تخفيض الرواتب، فيما تُثار بشأنهم تساؤلات عديدة بين الفئات المنتمية للطبقة المتوسطة؛ عن الطائفية التي تمارسها السلطات العراقية، بشأن هؤلاء الموظفين، بالرغم من المزاعم التي تتحدث عن تبرع الرئيس ومعاونيه ببعض مستحقاتهم المالية توفيرًا للنفقات، كما يقولون.

من ضمن المسائل التي توضح حجم التراجع الذي يعيشه الاقتصاد العراقي، هو هروب أعداد كبيرة من الشركات الأجنبية من الاستثمار بالعراق، على خلفية تعرض موظفيها للسرقة، وخضوع هذه الشركات للابتزاز الدائم من جانب «الميلشيات» المسلحة؛ لدفع أموال؛ مقابل السماح لهم باستمرار مشاريعهم.

المصدر : ساسة بوست

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: