الحرب الطائفية الخفية في العراق.. ماذا يحدث في ديالى وشمال بابل؟

هيئة التحرير 1.8K مشاهدات0

 

 خاص  |  عمر المختار

بعيداً عن عدسات الكاميرات والتغطيات الإخبارية للقنوات الفضائية تدور رحى حرباً طائفية طاحنة تشمل التهجير والقتل والاعتقال في ديالى وشمال بابل، إلاّ أنها بلا صوت.

تلك الحرب من أهم سماتها التنظيم والتخطيط، فالعمل يجري على الخريطة وبمراحل متعاقبة وصولاً لهدف واضح، إفراغ شمال بابل من محتواه السنّي ورسم خارطة سياسية لمحافظة ديالى ليس للمكوّن السنّي أي وجود فيه، أو لنقل وجوداً متواضعاً في ظل سيطرة الأحزاب السياسية الشيعية على المحافظة التي كانت يوماً ما سنيّة بنسبة تتجاوز الـ(85%).

البداية من شمال بابل

تضم منطقة شمال محافظة بابل الواقعة إلى الجنوب من العاصمة بغداد أقضية المسيّب والمحاويل، أما أهم نواحي المنطقة فهي الأسكندرية وجبلة وجرف الصخر، وظلّت هذه المنطقة حتى احتلال العراق تشكّل ثقلاً سنيّاً كبيراً كونها تضم مجموعة من العشائر السنيّة الكبيرة، من بينها الجنابيين والجبور والبوبدران والعكيدات والجميلات والشوافع والدليم والبوعلوان.

إلاّ أن مرحلة ما بعد الاحتلال كانت مختلفة بدرجة كبيرة، إذ شهدت المنطقة عمليات تهجير واعتقال واسعة بدعوى الإرهاب، وبطبيعة الحال كان الهدف النهائي لهذه العمليات إفراغها من محتواها السني بسبب وقوعها على طريق الزيارة الشيعية.

وبعد دخول تنظيم “داعش” إلى واجهة الأحداث في العراق، شهدت المنطقة حراكاً عسكرياُ من نوع مختلف، والسبب سيطرة “داعش” على أجزاء كبيرة منها لاسيما ناحية جرف الصخر التي أطلقت عليها الحكومة فيما بعد (جرف النصر).

وخلال عمليات عسكرية كبيرة قادها الحشد الشيعي لإخراج “داعش” من المنطقة وإعادة بسط سيطرة المجاميع العسكرية الشيعية على المنطقة كونها تشكّل صمام أمان للعاصمة بغداد، وهي الطريق الرئيس للزوار الشيعة المتوجهين من بغداد إلى كربلاء والنجف أو بالعكس.

وشاركت في هذه العمليات مجاميع تابعة لميليشيا بدر بزعامة هادي العامري وحزب الله العراقي وسرايا السلام التابعة للتيار الصدري الذي يتزعمه مقتدى الصدر، وانتهت إلى إفراغ ناحية جرف الصخر من ساكنيها واحتجاز عدد كبير من أبنائها –تقدره جهات محلية بأكثر من 3000 مواطن-  في معتقل سرّي في ناحية المسيّب يقال أن حزب الله هو من يشرف عليه بعيداً عن أنظار الحكومة.

فيما نفّذت الميليشيات عمليات تجريف واسعة لبساتين الناحية بشكل حوّل تلك الأراضي الزراعية الشاسعة لصحراء جرداء، ولغاية كتابة هذه الكلمات ترفض الميليشيات عودة الأهالي إلى أماكن سكناهم دون سبب حقيقي وعلى الرغم من إختفاء “داعش” من المشهد الأمني في تلك المنطقة.

أقضية ونواحي شمال بابل هي الأخرى شهدت عمليات استهداف طائفي ممنهج بهدف التضييق على أهل السنة وإجبارهم على النزوح من أماكنهم، من تلك العمليات تفجير المساجد السنية ومنها جامع الفتح في قرية سنجار شمال الحلة، والعصريّة شمال الحلة، وجامع عمّار بن ياسر بمنطقة البكرلي وسط الحلّة.

تبعها توقف دوائر الجنسية والبلدية عن منح تأييدات السكن أو إصدار الأوراق الثبوتية للسنة من سكنة تلك المنطقة، في إجراء يهدف إلى إستئصال المكوّن السنّي من جذوره في تلك المناطق.

وخلال الشهرين الأخيرين نفذت الميليشيات الشيعية أكثر من عملية اغتيال بحق أئمة وخطباء المساجد في منطقة شمال بابل وبدم بارد ودون أن نسمع حتى بيانات للشجب والاستنكار كما كان عليه الأمر سابقاً.

ديالى.. قصة لا تنتهي

في ديالى تشهد الحرب الطائفية مرحلة جديدة، تبدو وكأنها المرحلة الأخيرة في رسم الصورة النهائية لهذه المحافظة سيئة الجوار.

فبعد أن كان المكوّن الشيعي راضياً عن إدارة سنيّة “شكلية” للمحافظة  بمقابل سيطرته الفعلية، بات اليوم يريد تحقيق السيطرة شكلاً ومضموناً، ونجح ممثل ميليشيا بدر في مجلس المحافظة مثنى التميمي في بسط سيطرته على المحافظة بحكم تواجد ميليشياته في المحافظة فأبعد المحافظ عامر المجمعي عن منصبه وأضحى بديلاً عنه في خطوة ظهرت عدم قانونيتها فيما بعد.

ولم تمضِ مدة طويلة على تولي التميمي منصبه حتى انهار الوضع الأمني بدرجة كبيرة وبدأ مشروع الاستئصال الطائفي يعمل بطريقة مفضوحة ربما لم يرضِ حتى شركاء التميمي من الأحزاب السياسية الشيعية.

ولهذا بدأ مجلس المحافظة خطوات عملية لإستجواب التميمي تمهيداً لإقالته من منصبه، وهنا بدأ المشهد يأخذ منحاً غريب في واقع الأمر، فالمطالبين بإستجواب التميمي تعرضوا خلال اليومين الذين سبقا جلسة استجوابه لهجمات مسلحة ومحاولات اغتيال باستخدام عبوات ناسفة وإرسال رسائل تهديد، وضربت ميليشيا بدر التابعة للتميمي حصاراً على منطقة المخيسة لمدة سبعة أيام منع دخول المواد الغذائية لسكانها البالغ عددهم 7-8 آلاف مواطن جميعهم من السنة.

وإذا ما علمنا أن المحكمة الاتحادية عاجزة عن تنفيذ قرارها بإعادة المحافظ السنّي عامر المجمعي إلى منصبه بسبب سطوة الميليشيات الشيعية هناك، فلنا أن نتخيّل حجم التفرّد الشيعي في إدارة المحافظة وعجز الدولة العراقية بأعلى سلطاتها عن بسط سيطرتها على المحافظة.

 

 

الخلاصة

إن التنازع الإيراني – الأمريكي في العراق أفرز واقعاً مشوّهاً لهذه الدولة، فالطرفين المتناقضين يسعيان لبسط سيطرتهما على أكبر مساحة ممكنة من البلاد في سبيل خلق واقع حال يصعب تغييره على المدى البعيد.

وبينها تخطط وتدير الولايات المتحدة العمليات العسكرية في الموصل والأنبار بعيداً عن أي دور إيراني تسعى إيران وعبر أذرعها العراقية لتثبيت مناطق نفوذها التي اكتسبتها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، ومحاولة إستغلال الإنشغال الأمريكي في شمال وغرب العراق في مد الذراع الإيراني لأكبر مساحة ممكنة في العراق لاسيما في ظل ضعف وغياب المكوّن السني الذي يعيش في ظل موجات النزوح المتلاحقة.

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: