الصراع السياسي في العراق واسطورة المصالحة الوطنية

هيئة التحرير 1.8K مشاهدات0

“المشهد العراقي الحالي يقول : سقوط الحكومة في الجمعة وعودتها في السبت المقبل”، هذا ما غرد ونشر به اعلاميون وناشطون محليون من العراق حول تداعيات الازمة السياسية في البلاد، فبعد انطلاق مظاهرات العاصمة ودخول المتظاهرين قبة البرلمان وانتشار الصور التي تعبر عن راي العراقيين حول مدى العمل الفعلي للبرلمان العراقي بعدة صور مضحكة واخرى فيديوهات كنقد عن المشاجرات التي تحصل كل فترة بين الكتل السياسية .. لتبدو انها اصبحت واقعا لامفر لها وسط الانهيارات الامنية في عدة مناطق وسيطرة داعش وهروبه من مناطق اخرى.

أزمة البرلمان تراوح مكانها

ولم تسهم جهود الوساطة ومبادرات الحلول الوسطية حتى الآن في نزع فتيل التوتر السياسي داخل قبة البرلمان، إذ أصرت جميع الأطراف على مواقفها وتشبثت بها، رغم أنباء تحدثت عن عزم العبادي تقديم القائمة النهائية للتشكيلة الوزارية الجديدة الثلاثاء المقبل، حسبما أفاد به مراسل قناة “الحرة” في بغداد.

وقال سليم الجبوري رئيس مجلس النواب، إن جلسة شاملة ستعقد في الأيام المقبلة، آملا أن تعرض الحكومة الجديدة بشكلها النهائي على البرلمان في أسرع وقت.

وأوضح مقرر مجلس النواب عماد يوحنا في اتصال مع “راديو سوا” أن مباحثات تجري بين الكتل السياسية لتأمين عقد الجلسة في اليومين المقبلين، لبحث مطالب الكتل السياسية وحل الأزمة الراهنة.وأشار يوحنا إلى أن الجبوري أبدى مرونة بشأن مسألة انتخاب رئيس آخر للبرلمان.

حكومة مشاركة ام محاصصة ؟

وحكومة الشراكة الوطنية التي هيمنت على مفاصل الحياة السياسية والإقتصادية وقسمت المنافع والغنائم بين أقطابها على وفق نظام المحاصصة المقيت كان لابد أن يحصل الذي حصل كونها شيدت على أسس خاطئة استبعدت منها الهوية الوطنية والاحتكام إلى علاقات غابت عنها الثقة المتبادلة وسيطرت عليها الشكوك والمخاوف والريبة بين أطرافها واتهام بعضهم الآخر بالسطوة والاستحواذ على صنع القرار وفي ترجمته.

والأهم من هذا أن القوى السياسية المؤتلفة تفتقد الرؤية الموحدة تجاه القضايا الأساسية وتتناقض في آمالها وطموحاتها ومساعيها في الاستحواذ والهيمنة،مما خلق خللا في التوازن الذي يطالب به بعض أطراف العملية السياسية، وهي حالة يصعب الوصول إليها في ظل صراع المصالح والإرادات وتباين الأهداف والمواقف إزاء معظم القضايا المطروحة على الساحة السياسية،ومما يزيد الأمر تعقيدا هو شدة المشاحنات والمواجهات والمناكفات بين أركانها،ما يدفع بعض أطرافها بالهجوم وإتهام الآخرين بمحاولة الاستحواذ والسيطرة على السلطة التنفيذية والاستفراد بقراراتها.

وحالة الشلل والضعف والوهن التي تعيشها الشراكة الوطنية،جعلها عاجزة عن التعاطي مع إحتياجات المواطنين من منطلق القوة والوحدة وعبور الأزمات التي تعترض مسيرتها ويفترض أن تكون طبيعية واعتيادية ما يدلل على أن الأزمة التي تعيشها العملية السياسية، أزمة بنيوية رافقتها منذ بواكير تشكيلها حيث إعتمدت في بنائها قواعد وركائز لم تهيئ الأرضية الصلبة والسوية لإقامتها بما يجعلها قادرة على تحمل الصدمات والإهتزازات التي تتعرض لها العملية السياسية من حين لآخر.
والصراعات التي تزداد حدة وعنفا بين أطراف العملية السياسية تؤكد حقيقة عجز أطرافها في إيجاد حلول للمعضلات التي تصادفها في ترجمة مهامها بالتصدي لما إستنهضت قواها لها بمعالجة التدهور الأمني وتقديم الخدمات الضرورية ومواجهة مظاهر الفساد المالي والإداري وإقتلاع جذوره وتوفير فرص العمل للعاطلين وبخاصة الخريجين ومعالجة الثغرات الكبيرة في واقع المدن العراقية وما تعانيه من تخلف وتدهور في معظم مرافقها الحيوية.
والقضايا الخلافية التي تحتدم بين أطراف العملية السياسية من حين لآخر تعود الى تفاقم التوترات والتشنجات بين مكوناتها وسيادة أجواء الإرتياب والرؤية الضبابية وعجز الشراكة الوطنية عن الإرتقاء إلى مستوى إرساء أسس راسخة من التوافق والشراكة ووحدة الرؤية والموقف تجاه القضايا الأساسية التي هي بحاجة إلى معالجات جادة للإنتقال بالعملية السياسية إلى مرتبة متقدمة.
إن احتدام الأزمة بين أقطاب العملية السياسية والعجز في احتواء تداعياتها هو نتاج صراع المصالح والاستحواذ على اكبر قدر من الفوائد التي يتم الحصول عليها من نظام المحاصصة والتي تتم على حساب معاناة الشعب وآماله وتطلعاته، وما وصلته الخلافات والتناقضات بين القوى والأحزاب السياسية القائدة للعملية السياسية من العسير السكوت والابقاء عليها دون معالجات جذرية لها، وبخاصة بعد أن انتقلت إلى الشارع لتزرع فيه عوامل الفرقة والتنافر من جديد بين مكونات الشعب وأطيافه وتعطل الحياة وتجمدها وتصيبها بالارتباك والحيرة وفقدان الاستقرار السياسي والاجتماعي وتوقف عجلة التقدم والتطور.

مصارعة القوى السياسية .. من الفائز ؟

والقوى السياسية المتصارعة والعاجزة عن تجاوز خلافاتها عليها الالتجاء إلى المفاهيم والقيم الديمقراطية لإيجاد حلول لها دون اللجوء إلى التهديد والوعيد والكلمات والتعابير الجارحة وينبغي استدعاء مصالح الشعب وأمنه أثناء التفتيش والبحث عن معالجات جادة للخلافات حيث أن بقاءها وتعاظمها سيفتح الأبواب على كل الاحتمالات وقد يصبح من المتعذر إدارة الأزمة وتوفير الحلول الملائمة دون دفع فواتير باهظة لها، والتي قد تؤول إلى تردي الأوضاع الأمنية والاستقرار وعودة دوامة العنف والإقتتال من جديد وتعود سكين الصراعات تقطع النسيج الإجتماعي وبعثرة أجزائه،لتبحث عن حاضنات إقليمية أو دولية تحميها،توطئة لتمزيق وحدة الوطن وتقسيمه إلى دويلات متصارعة متعارضة المصالح والأهداف.
إن إختيار طريق التوافق لقيادة العملية السياسية وإعتماد المحاصصة الطائفية والإثنية أسلوبا لتوزيع مغانم السلطة وامتيازاتها لم يكن الطريق السوي والأمثل للتعامل مع إحتياجات الشعب وإنتشاله من دوامة مشكلاته ومصاعبه المتوارثة من النظام السابق،لأن هذا الأسلوب أفرغ الديمقراطية من مضامينها ومعاييرها، ويعد تأكد فشله في احتواء الأزمات والإحتدامات بين أطراف الحكم مبررا ملزما للتحول إلى نمط جديد من العلاقات.

إذ من غير المقبول التمسك بصيغة حكم أعطى الواقع حكمه في فشلها وعجزها التعامل مع إفرازات ومعطيات الواقع السياسية والإجتماعية والإقتصادية والأمنية، لأن هذا يعني المزيد من هدر الزمن في الإستجابة لإحتياجات الواقع والتعالي به حيث يستطيع تلبية مطالب الشعب في تجديد حياته وتحديثها والتحرر من شرنقة التخلف والتأخر.

والقوى السياسية الحاكمة ملزمة أن تتفادى إستمرار الصراع دون الإلتفات إلى معاناة المواطنين والإستهانة بمشاعرهم وآلامهم وخذلان من رفعهم الى سدة المسؤولية وولاهم إدارة شؤونه العامة لأن من شأن هذا رفع غطاء الشرعية عنهم التي منحها الشعب في الإنتخابات العامة على أسس وقواعد الإلتزام بالشعارات والبرامج التي أعلنوها وفازوا على أساسها.

والخلافات والتجاذبات بين الأطراف الفاعلة والنافذة في العملية السياسية يعني إستمرارية تردي الأوضاع وتعطيل تنفيذ البرامج والمشاريع التي تخدم الشعب وتعلو بواقعه المرير والمأساوي،ويدفع بالقوانين والتشريعات المعروضة أمام مجلس النواب والتي تعتبر ذات أهمية وحيوية في حياة الشعب ومستقبله والمؤجلة من الدورة البرلمانية السابقة الى رفوف النسيان.

فبعد تأسيس دولة المواطنة والديمقراطية، ومعاملة الجميع بالتساوي، ومعاملة الجميع كمواطنين من الدرجة الأولى بلا تمييز، تحصل صراعات عنيفة في أول الأمر، وذلك بسبب تركة الماضي الثقيلة، وخاصة أزمة الثقة بين مكونات الشعب، وضعف الدولة الجديدة، وضعف حكم القانون، ونقص التجربة من قبل القادة السياسيين الجدد، فكل مكونة تستغل الفرصة، وتريد تحقيق أكبر قدر ممكن من المكتسبات لنفسها على حساب المكونات الأخرى.

حتى لو تطلب الأمر الإستقواء بدول الجوار التي من مصلحتها تأليب مكونة على أخرى لإفشال التجربة. لذلك برزت حالة شاذة غير معهودة من الصراعات.. ولكن مع الزمن، تخف هذه الصراعات، وتهدأ النفوس، وتعود الثقة فيما بينها ويحصل الاستقرار. فهذه الأزمة مهما طالت، لا بد وأن تزول، إذ كل الشعوب المتحضرة مرت بها في بدايات تجاربها مع الديمقراطية، ولكن في نهاية المطاف نجحت الديمقراطية واعتادت عليها، وصارت جزءً من تقاليدها.

اهتام الصحافة العراقية والعالمية حول ازمة السياسة في العراق

وفي صحيفة المدى التي تصدر في بغداد، قال رئيس التحرير، فخري كريم، في مقاله المعنون بـ”الذي يأتي ولا يأتي”، إن ما يحدث في العراق “فصل آخر من الكوميديا السوداء”، وقال: “يرى البعض من مثقفينا”.

وأضاف كريم أن “الكوميديا السوداء نسقٌ يُخفي المساحة المضيئة من مستقبلٍ قد يراه بعضٌ منذورٌ بالفطرة للتشاؤم، إيغالاً في التشاؤم وانسلاخاً عن واقعٍ يمور بالحركة، يفتح أبواباً للفرج والتجدد الثوري، وأبواباً مفتوحة على المستقبل تقتضي انفتاحاً غير مشروطٍ على التفاؤل التاريخي، وليس لكلٍّ هاوٍ مُتطيرٍ مجبولٍ على المحافظة أن يلج مثل هذه الأبواب”.

وفي جريدة الصباح الحكومية، يتحدث محمد عبدالجبار الشبوط عن سبل الحل السياسي في البرلمان العراقي ويقول: “أفضل الاحتمالات أن يتم التوصل إلى تسوية سياسية تعيد توحيد الصفوف ويعود البرلمان موحداً في الشكل، متنوعاً في الكتل السياسية التي يحتويها، وحتى هذه اللحظة لا يبدو أن إرادة التسوية السياسية متوفرة بقوة كافية لفرض هذا الاحتمال”.

وأضاف الشبوط أن “هناك احتمال وسط وخير الأمور أوسطها، وهو أن ينقسم البرلمان إلى قسمين، أحدهما أكبر من الثاني، أي أغلبية وأقلية، فإذا ما تم تشخيص هذا الانقسام بهذا الوصف، وحسم كل نائب أمره في الصف الذي ينتمي إليه، سيكون بالإمكان أن نطلق على مجموعة من النواب وصف الأغلبية، وعلى غيرهم وصف الأقلية”.

وفي موقع رووداو العربي تحدثت الدكتورة سوزان ئاميدي عن دورعضو البرلمان في مقالها وقالت: “البرلماني هو أداة للكشف عن المخالفات الحكومية ومتابعة تنفيذ القوانين والقرارات، وهو أداة للاستفهام والاستعلام أيضاً, فكم من برلمانيي العراق في مستوى يمكن أن يناط إليهم كل هذه المسؤوليات المهمة، فضلاً عن مسؤوليات أخرى”.

وأضافت ئاميدي “من المؤكد أن هؤلاء البرلمانيين منتمين بالأصل إلى كتل وأحزاب وتيارات سياسية مختلفة, وولاؤهم لهذه الانتماءات أكثر بكثير مما هو للصالح العام, بمعنى آخر عملهم الأساسي مؤطر بمصالح انتمائاتهم الضيقة، ويبقى البرلماني عرضة للانتقادات من قبل الشعب في حال عدم وفائه بتعهداته لبرنامجه الإصلاحي الانتخابي, بمعنى آخر أنه أصبح أمام ضغط الشارع العراقي، مما دفع به لموقف الاعتصام داخل قبة البرلمان, فهل هي صحوة ضمير بعد 13 سنة من عدم نكران الذات والإهمال؟”

من جهته كتب عادل عبد المهدي في جريدة العدالة العراقية أن “الأزمة الأخيرة كانت قاسية ومؤلمة وخطيرة، إلا أنها بالمقابل تجربة غنية بالدروس والعبر في تقويم الأداءات”.

ويضيف عبد المهدي: “لقد كشفت الأزمة أن التجربة السياسية لن تكتسب النضج الكافي، وأن الديمقراطية لن تؤسس لنفسها تقاليد عمل حقيقية، ولن تبني مؤسساتها ومنظومة قراراتها، وأن الأحزاب والقوى السياسية لن ترتقي إلى ممارسات الدولة والمؤسساتية والحياة الديمقراطية، وبأن الرأي العام ومؤسسات الإعلام والضغط لن تلعب فعلاً دور السلطة الرابعة المسؤولة”.

وتابع: “إنها ليس مجرد أدوات للتسقيط والمناكدة ونشر الإشاعات فالأزمة – إن تجاوزناها – درس كبير سيحمل بلا شك تطعيماً أو حصانة لمجمل التجربة السياسية التي تسعى للانتقال من حكم الفرد والحزب والطائفة، إلى حكم مؤسساتي ديمقراطي يحترم التعدديات ويكتسب شرعيته من الإرادة الحقيقية الحرة للشعب.”

حكومة التوافق الوطني .. مصالحة ام مساطحة ؟!!

أعاد التعديل المقترح لقانون المساءلة والعدالة هذه الايام، النقاش مرة أخرى عن جدوى المصالحة بين الاطراف المتنازعة في العراق، ولهذا أشّرت اتجاهات النقاش الدائر بين العراقيين ان محاولة تخطي الماضي وميراثه، يقارب مقولة الروائي الاميركي وليم فوكنر ” الماضي ليس ماضيا أبدا، انه يعيش بيننا “، قد يكشف طرح هذا القانون بتعديلاته الجديدة الحساسيات المتراكمة التي سبق وان نحّتها او أجّلتها الاطراف المتنازعة.

ان قراءة ملف المصالحة الوطنية في العراق مرة اخرى، تشير بالضرورة لمعاينة وفحص تجربة التغيير برمتها، والنتائج التي تمخضت عنها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بعد مضي اكثر من عقد عليها، لهذا تبرز امامنا ملامح قراءتان: الاولى تكشف مدى الارتباك، بل ربما الفشل في اداء الفاعلين السياسيين للوصول الى الوصفات الناجعة والشجاعة للمضي بملف المصالحة لآفاق حلول واضحة ومحددة، تجعل ترتيبات السلطة تبتعد شيئا فشيئا عن سياق وحساسيات الماضي الاليمة، بينما تشير القراءة الثانية الى التقاطع بين سرديتين متناقضتين، تكشف الاولى ان ما حصل هو اعادة تصحيح لمسار تاريخي أقيمت خطواته على اسس خاطئة، الثانية تطرح ان ادارة السلطة بعد التغير افرزت اسلوبا من الاحتكار والهيمنة وجعلهما اداة حاضرة في ادارة السلطة.

هذا ما جعل التقاطع الحاصل بين القراءتين، وكأننا امام روايتين للتاريخ السياسي العراقي الاولى ذات مضمون تاريخي “شيعي” والثانية ذات منحى سياسي “سني”، نلمس ان هذا التقاطع المذكور قائم على ثنائية صراع بين التاريخي والسياسي.

حينما نراجع إحدى تعريفات المصالحة الوطنية، كما يذكرها الباحث فهيل جبار جلبي في كتابه المصالحة الوطنية في العراق، بأنها ” العودة معا الى علاقة جديدة بعد نتائج مروعة وشاقة من جراء أفعال خاطئة مثل (الخيانة، عدم الوفاء، استخدام العنف) سواء كانت حقيقية أو محسوسة من قبل أحد الطرفين أو كليهما “، نجد ان المصالحة الوطنية امام تحدي بناء علاقات جديدة، تقوم على تخطي أخطاء الماضي عن طريق عدم تكرارها.

يواجه هذا التخطي المطلوب حساسية النسيان التي ينظر اليها العراقيون اليوم وكأنها استعادة لمقولة “عفا الله عما سلف” والتي تعني ترك من قام بفعل الانتهاك والتجاوز يفلت من العقاب، كل دلائل النسيان غير حاصلة بالمرة، بسبب ان أغلب عمليات التفاعل اليومي في حياة المجتمع العراقي مرتبطة بالتذكير لما جرى سابقا، وهذا نلمسه بما يطرح في الاعلام والصحافة والحوارات اليومية والدعاية الاعلامية للقوى السياسية الموجودة في السلطة، لذلك نلاحظ ان عمليات تخطي وتجاوز أخطاء الماضي غير حاضرة، على الرغم ان أحدى دلالات المصالحة الوطنية هي “نوع من التفاهم والتوافق للخروج من الازمة والعنف الحاصل، بالطريقة التي تعتمدها اغلب الدول في فترة ما بعد النزاع، بهدف ايجاد آليات وحلول ناجعة يقبلها الناس ويستجيب لها الواقع، عن طريق تسعى فيه الى الخير والسلم الاجتماعي وتأمل دائما بإيجاد حلول يقبلها الناس ويتفاعل معها المحيط ويستجيب لها الواقع عن طريق الانصاف وتحقيق العدالة وبالصيغة التي تجعل من المصالحة مشروع أتفاق جماعي وطني مصيري حتمي”.

المصالحة الوطنية رهانات إعادة النظر

هناك نوع من الشعور العام عند شريحة واسعة من المجتمع العراقي بأن الوضع السياسي، قد بات أمام مفترق طرق، وبالعودة الى تداعيات يوم 10/6/2014، ومراجعة كيف كان يتحدث الناس عن هذا الحدث وما الحل المطلوب تطبيقه، يؤكد تنامي هذا الشعور، لهذا نتساءل لماذا وصلنا الى هذا الحال ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟.

لقد تم التعامل مع المصالحة الوطنية على أنها مسار منفصل عن بقية المسارات المطلوب توفرها في عملية انجاز المصالحة، حيث لم يترافق مع إطلاق مسار العدالة الانتقالية عند تطبيق إجراءات المصالحة الوطنية، وفي بعض الاحيان وصلا الى حد التضارب “تطبيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية” يبين هذا الاستنتاج عدم توفر رؤية واضحة توجه خطوات برنامج المصالحة الوطنية.

المشكلة الاساسية هي عدم تمكن الفاعلين في المصالحة الوطنية من الربط بين ما يتحقق من انجاز في المجال السياسي ومخرجات عملية المصالحة، دفع هذا الاشكال نحو وقوع المصالحة تحت طائلة التجاذب السياسي وتحويلها الى وسيلة سياسية بامتياز وليست مدخلا إجتماعيا لمعالجة الازمة التي يمر بها المجتمع العراقي.

لهذا بات من المطلوب تسليط الضوء على العوائق التي منعت من إكمال مراحل المصالحة الوطنية.

يتناول الفيلسوف الفرنسي ادغار موران مسألة المصالحة من خلال مفاهيم أخرى تقع ضمن “الصفح، التجاوز، التسامح” إذ يحاول موران “اعتماد منظور يقحم مشكلة الصفح في سياقاته السيكولوجية والثقافية والتاريخية، وبالطبع، في سياق هذا القرن المطبوع بتنظيم مجارز جماعية” يقدم نموذج موران قضية حساسة وصعبة هي ” مسألة الصفح ” عن ما حصل سابقا، لو نقلنا هذا النموذج الى الملف العراقي، كيف ينظر الى مطلب الصفح عن أخطاء الماضي؟.

طرح مطلب الصفح في الشأن العراقي سوف يصطدم بميراث من القمع السياسي والاجتماعي غير معالج لغاية الان، كما أن النظرة الاجتماعية التي يحملها المجتمع العراقي عن مطلب الصفح يساوي التهاون والافلات من العقاب!.

هذا التساوي بين الصفح والتهاون في الثقافة الاجتماعية في العراق، يجعلنا نفكر بالسبل المتاحة لإنتاج مفاهيم جديدة تتقبل التحول الجاري في الشأن العراقي، ينطلق بناء هذه المفاهيم من مقولة “اذا كان الصفح فعلا فرديا، فان الرحمة غالبا ماتكون فعلا سياسيا”.

القيد الذي يمنعنا من الوقوع في هاوية التهاون والتغاضي، هو التأسيس لحوار وطني يعتمد أليات نقل الحوار الصريح والمباشر من السر الى العلن، مع صياغة قانون يتكفل بمحاسبة من أساء للمجتمع أفرادا ومؤسسات بشكل متوازن، يأخذ بنظر الاعتبار منع تحويل الماضي الى مادة للصراع السياسي.

يلمس من يعمل على تفكيك العوامل التي أدت الى فشل تحقيق المصالحة الوطنية منذ 2006 ولغاية الان، أن عاملي “وهم الحرب، وصناعة العدو” هما من أعاق الوصول الى الحل للاطراف المتنازعة في العراق، فعامل الحرب يظهر ان “الأعمال الارهابية تقوم بها جماعات تعيش وهميا ايديولوجيا الحرب في زمن السلم، انها كمن يعيش حالة هذيان داخل قوقعة مغلقة، غير انه ما ان تتكسر هذه القوقعة حتى يعود الكثير من اعضاء الجماعات الى معانقة التوجهات السلمية”، أيضا بقي عامل صناعة العدو في العراق غير مفهوم ولم يقع تحت معنى التساؤل من يصنع العدو في ثنايا الصراع داخليا ويستثمره سياسيا واقتصاديا.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: