دلالات خطط داعش وسليماني في معارك الفلوجة

هيئة التحرير 2K مشاهدات0

isis

فارس الخطاب
منح حضور قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال المطلوب بتهم الإرهاب، قاسم سليماني، ومشاركته في غرفة عمليات قيادات الحشد الشعبي في العراق، ثم التجول في منطقة الكرمة في أطراف قضاء الفلوجة العراقي، بعد انسحاب مسلحي (داعش) منها، زخماً معنوياً كبيراً لمقاتلي هذا الحشد الموسوم بالطائفية لدى كثيرين من أبناء هذا البلد، وكذلك لبقية الدول العربية،

لكنه، في المقابل، منح أيضاً فرصة لرافضي أسلوب تحرير الفلوجة من قبضة هذا التنظيم، بسبب حجم الخسائر المتوقعة في صفوف المدنيين المحتجزين هناك، وبسبب طغيان العنصر الطائفي على المعركة، سواء من المليشيات المشتركة أو حتى التي تأتمر بإمرة القائد العام للقوات المسلحة، نتيجة وجود ما يشجّع على هذا التوجه في خطابه السياسي العام، أو غض بصره وتعليقاته على جرائم هذه المليشيات، في أكثر من جريمة إنسانية، أو تهجير قسري لأكثر من محافظة سنيّة.

وعلى الرغم من الزخم الذي أعدته طهران وبغداد وواشنطن لمعركة تحرير الفلوجة من قبضة التنظيم، إلا أن التجارب السابقة التي تدخلت فيها مليشيا الحشد الشعبي وقياداتٌ وقواتٌ إيرانية تؤكد أن هذه المعارك لن تكون سهلة، وربما لن يُكتب لها النجاح، على مستوى المعارك التقليدية. يؤكد هذا التحليل المقدّم ريك فرانكونا، محلل الشؤون العسكرية لدى محطة سي إن إن الأميركية، بقوله إن مقاتلي داعش في مدينة الفلوجة سيخوضون معركة شبيهة بمعركة تكريت، لجهة نشر المتفجرات والألغام ومحاولة عرقلة تقدم القوات العراقية من خلال وحدات مسلحة صغيرة.

وتوقع أن تُحدث معركة الفلوجة أضراراً جانبية كبيرة في المدينة، بسبب طبيعتها الهندسية، وتمركز عناصر داعش فيها، بعدما تمكّنوا طوال عامين من التحضير لتلك المعركة. ولذلك، ستواجه القوات العراقية مئات من القنابل والمفخخات والعبوات الخارقة للدروع والمهاجمين الانتحاريين، وستكون للكثافة العسكرية العراقية الحكومية الكلمة الفصل. ولكن، بعد خسائر هائلة.”
زيارة رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب الدعوة، نوري المالكي، قيادة عمليات الحشد الشعبي في محيط الفلوجة، ألّب الرأي العام، وأربك التوجه الإعلامي الحكومي المبرمج لصالح كسب هذا الرأي العام، وبالتالي، كسب المعركة، ولعل جهاتٍ سياسية كثيرة، الشيعية منها قبل السنيّة، تحمّل المالكي مسؤولية تدمير الدولة العراقية، بجوانبها المختلفة، سواء ما تعلق منها بخسارة ثلث الأراضي العراقية لصالح تنظيم الدولة، أو اقتراب خزينة الدولة من الإفلاس، وتكريس أسلوب المحاصصة وتجاوز القانون وغيرها. لذلك، وبسبب تصريحاته المرتبطة بالصراع الطائفي في منهج هذا الرجل وعقليته؛ والتي وصفها في أثناء وجوده على رأس السلطة على أنها “صراع بين جماعة يزيد وجماعة الحسين”، أو مقولته في زيارته الأخيرة، ووصفه الفلوجه أنها “رأس الأفعى”.
أضاف عنصر آخر للمعركة صبغة طائفية وشوفينية، وهو ظهور اسم الرجل الذي أعدمته السلطات السعودية بتهمة الإرهاب وصورته، نمر النمر، والذي تم الاعتداء بسببه على القنصلية السعودية في إيران، ظهر اسمه في كل الفضائيات على صواريخ الحشد، وراجماته التي تقصف الفلوجة كل يوم، في تحدٍّ سافر لرسمية المعركة وحياديتها (المعلنة)،

وبما قدّم به القائمون على هذه الأفعال دلالاتٍ واضحة على البعد الطائفي لها، وعقدة العداء للمملكة العربية السعودية، وكل من يقف معها في قرارات حفظ الأمن والسيادة الوطنية. وطبعاً، لا مجال لحصر تعليقات بعض قياديي الحشد قائد مليشيات أبو الفضل العباس وبدر وحزب الله العراقي والنجباء وغيرها، بما يشير إلى عدم قدرة القيادة العامة للقوات المسلحة على القيادة والسيطرة المطلقة للقطعات المشتركة في هذه المعركة.

“التهديد الذي يتوعد به قادة المليشيات وإيران من عمليات ثأر ضد أهالي الفلوجة ربما يدفعهم إلى الانحياز لصالح “داعش”، بدل انتظار الموت المذل مع التنكيل من المتربصين بهم من دعاة الطائفية”

في ضوء ذلك كله وأكثر، ما هي خيارات مقاتلي تنظيم الدولة الموجودين في الفلوجة، ويقدّر عددهم، بحسب تقديرات عراقية وأميركية، بنحو 700 إلى 1000 مقاتل، يحتجزون أكثر من سبعين ألف مدني، أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ. ومن التجارب التي وقعت في قواطع تكريت وبيجي والرمادي، يمكن توقع أكثر من سيناريو ستجري ضمنها معارك الفلوجة من تنظيم الدولة؛

أولها أن يكون هناك قتال هيأ التنظيم له نفسه، منذ أكثر من سنتين. وبحسب المحلل العسكري، روبيرت وورثت، مؤلف كتاب “الغضب للنظام: الفوضى في الشرق الأوسط من التحرير إلى داعش”، فإن “داعش” مسيطر على المدينة منذ عامين ونصف عام تقريباً، ونحن متأكدون أنه حظي بوقتٍ كاف لزرع الألغام، وتعزيز خطوطه الدفاعية هناك”. وكتب وورثت الذي زار الفلوجة مرات منذ عام 2003، وخلال الحرب الأميركية ضد القضاء عام 2004 وبعدها، إن في المدينة عشرات آلاف المدنيين، ما سيعني، في اعتقاده، أن استعادة المدينة ستكون في غاية الصعوبة.
سيناريو آخر محتمل، هو قيام مفارز صغيرة من داعش بعمليات عسكرية ممنهجة لمهاجمة أهداف في قواطع العمليات، تربك القطعات، وتفكك حدة الحصار العسكري على المدينة، مستعيناً بسياراتٍ مفخخة، وهو مهيأ ومتمرّس على مثل هذا النوع من العمليات، وقد كانت واحدة من العمليات، في اليوم الثالث من بدء العمليات العسكرية وتحرير منطقة الكرمة والسجر، أسفرت عن أسر حوالى مائة من أفراد الجيش العراقي الذين أظهرهم التنظيم في عرضٍ مذل، وهو ينقلهم إلى مناطق لم يحدّدها.
خيار آخر يتمثل بتكثيف العمليات النوعية داخل العاصمة بغداد، بما يدفع الحكومة العراقية إلى سحب بعض قطعات حماية إلى بغداد، وربما إلى مدنٍ أخرى ذات أهمية سوقية واستراتيجية، وقد سبق وأن جرب التنظيم هذا الأمر بنجاح في كثير من معاركه، إلى حدٍّ ما، وفشل في أخرى، وإن الأوضاع السياسية في بغداد ربما قد تشجع التنظيم على سلوك هذا الخيار، في ظل هشاشة المنطقة الخضراء والعملية السياسية التي انهارت أمام مئاتٍ من متظاهرين مندفعين وغير مسلحين أو مدربين، ولاذ أغلب قادتها بالفرار من داخل المنطقة، أو إلى السفارة الأميركية فيها.
لن يترك “داعش” قضاء الفلوجة في كل الأحوال، وإن كان هناك من يرجح أنه قد يمارس أسلوب العمليات الحربية الذي أتبعه في قضاء بيجي، وأن ينسحب في الوقت المناسب جداً، بعد أن تحرق القطعات المهاجمة المدينة بالكامل، ليجعل من مسألة البقاء فيها والحفاظ عليها، أيضاً، عمليةً صعبةً لمن سيمسك الأرض فيها، خصوصاً وأن قادة التنظيم ومقاتليه هناك يحفظون تفاصيل جغرافية أرض الفلوجة على ظهر قلب، بما يجعل لهم السبق في عمليات حرب العصابات المباغته داخل المدينة، والتي من المحتمل حدوثها، بعد تقدّم القوات النظامية والحشد الشعبي إلى داخل أحياء الفلوجة.
الأمر المهم الآخر، والذي أشير إليه، أن التهديد الذي يتوعد به قادة المليشيات وإيران من عمليات ثأر ضد أهالي الفلوجة ربما يدفعهم إلى الانحياز لصالح “داعش”، بدل انتظار الموت المذل مع التنكيل من المتربصين بهم من دعاة الطائفية والمنهجية الاجتثاثية المبرمجة ضد أبناء المكون (السّني)، وهو ما سيجعل عملية الدفاع عن المدينة محكمة، وربما صعبة جداً بالنسبة للقطعات المهاجمة، إن لم تكن مستحيلة.
خلاصة تجربة القائد الألماني، رومل، لمجمل سير المعارك التي خاضها في أثناء سنوات خدمته الطويلة، أوجزها بعبارة واحدة، إنه “من المهم إدراك أن المعارك إنما تكسب، قبل كل شيء، في أفئدة الرجال”، فأي الأفئدة ستكسب معركة الفلوجة المتوشحة بأرديةٍ طائفيةٍ بامتياز؟ ذلك ما ستكشفه الأيام المقبلة.

المصدر : العربي الجديد

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: