سياسات الهوية الطائفية الإيرانية في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي

هيئة التحرير 436 مشاهدات0

     حسن أبو هنية

معركة الفلوجة والطائفية.. مأساة السنة ملهاة الإرهاب

ثمة معركة تدور رحاها في الفلوجة هناك في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي، الذي لم يعد العراق الذي نعرفه على مدى قرون خلت، تتطلب خيميائي صحراء باولو كويلو لحل ألغازها التي لا تقع في خانة الأحاجي والألغاز العادية المألوفة، فأطراف الغموض الخلاق يمتثلون لحكمة الخيميائي: “إنني لا أحيا في ماضيَّ، ولا في مستقبلي، ليس لي سوى الحاضر، وهو وحده مايهمني، إذا كان باستطاعتك البقاء دائما في الحاضر، تكون عندئذ إنسانا سعيدا”.

وسعادة الحاضر أن تدلف إلى جنة العصر النيوليبرالي العولمي السعيد، وتصرخ بلا توقف أنا لست إرهابيا، أنا أحارب الإرهاب، فذلك الإكسير كفيل بالشفاء من تهمة الطائفية والدكتاتورية والإمبريالية مؤقتا؛ فالهويات الإرهابوية ذاتوية غير موضوعية، يتحكم بمفاتيحها سدنة وحراس باب السعادة المرصود أمريكيا.

في سياق “حرب الإرهاب” عمد الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 إلى التلاعب بالهويات في سياق ترسيخ سيطرته الإمبريالية، عبر تنشيط وبعث الهويات الطائفية، فسياسات الهوية الطائفية كانت أحد أهم الخطوط الاستراتيجية للإمبريالية من خلال تفتيت المجتمع وتفكيك الدولة لضمان عمليات الهيمنة والسيطرة، وهي سياسة تاريخية موثقة للكولينالية المظفرة التي تقوم على رؤية استشراقية وثقافوية تحكمت في مسار الاستعمار التقليدي التاريخي البريطاني والفرنسي.

وعقب فشل المشروع الإمبريالي وخروج قوات الاحتلال الأمريكي من العراق 2011، باتت الدولة العراقية رهينة لسياسات الهوية الطائفية، وخاضعة للسيطرة الإيرانية التي سارت على ذات النهج الهوياتي، بالتنسيق مع الدكتاتوريات الطائفية المحلية من المالكي إلى العبادي.

سياسات الهوية الطائفية الإيرانية حوّلت العراق إلى دولة مليشيات طائفية، فعقب سقوط الموصل بدلا من التوجه نحو سياسة تقوم على الاعتراف بالمطالب السنيّة العادلة، انحدرت نحو مزيد من سياسات الهوية الطائفية.

إذ دعا رئيس الوزراء العراقي آنذاك نوري المالكي علنا إلى إقامة مليشيات شيعية، الأمر الذي استجابت له المرجعية الشيعية العليا بزعامة السيستاني بالإعلان عن فتوى “وجوب الجهاد الكفائي”، الأمر الذي أسفر عن ولادة قوات الحشد الشعبي (الشيعي)، وبدت الاستعراضات الطائفية مشهدا مألوفا لكافة التيارات الشيعية، بحجة حماية المراقد المقدسة.

وعملت أذرع إيران على إعادة انتشار قواتها التي تقاتل في سوريا وعودتها إلى العراق، كما فعلت “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق”، وتعمل هذه المليشيات بشكل وثيق مع الجيش العراقي و”قوى الأمن الداخلي”، وهي قوات تعتمد على المكون الشيعي.

وقد ظهرت مليشيات شيعية جديدة عديدة بحجة “الدفاع عن العراق”، ومنها “سرايا الدفاع الشعبي”، كما أنشأت “عصائب أهل الحق” و”منظمة بدر” العديد من “اللجان الشعبية” المتمركزة في المدن، وأصبح قائد “الحرس الثوري” الإيراني قاسم سليماني يقود المليشيات الشيعية المتعددة الجنسيات بصورة علنية، ولم تعد الأجندة الطائفية لإيران خفية.

في كتابها “أفول أهل السنَّة: التهجير الطائفي ومليشيات الموت وحياة المنفى بعد الغزو الأمريكي للعراق”، وثقت ديبورا آموس كيف تحولت بغداد إلى مدينة كانتونات تتحكم فيها المليشيات، وكيف أصبح العراق أفسد بلد عربي، وكيف أصبح لبغداد روح شيعية، وهو ما أرادته حكومة المالكي حين مكنت الشيعة من طرد السنَّة، واحتلال مساكنهم، وإخراج أهلها منها.

أدى ذلك إلى وجود أكثر من مليون قضية نزاع حول ملكية العقار بين ملاكه ومحتليه، في ظل عملية تهجير قسري واسعة ترتكبها المليشيات الطائفية بمساندة من القوات الأمنية الحكومية في العراق، تهدف الي اخلاء مناطق حزام بغداد بالتزامن مع عمليات تهجير تشهدها ديالي وصلاح الدين، ومنطقة جرف الصخر من العرب السنة، ما يهدد بتغير ديمغرافية هذه المناطق السنية.

لم تعد بغداد ما بعد الاحتلال -وهي العاصمة التاريخية للخلافة الإسلامية السنيّة- تتوافر على أي مظاهر سنيّة، إذ تنتشر في شوارع بغداد صور للمرشد إلايراني الأعلى علي خامنئي وصور أخرى يقول رجال الدين الشيعة إنها للإمام الحسين بن علي، لكن لعبة الهويات بدأت تستنفذ أغراضها في التعبئة والتحشيد، وبدأت حراكات شعبية شيعية تطالب بحقوق تتجاوز الهوية وتدعو إلى محاربة الفساد والاستبداد، وأخذت لعبة الهويات الطائفية تهتز، ودخل زعماء الطوائف الشيعة في صراع على السيطرة والنفوذ.

لكن سدنة الهويات الطائفية وجدوا ضالتهم بإعادة تنشيط حروب الهوية لإعادة توحيد البيت الطائفي الشيعي المتصدع، من خلال البحث عن نصر على هوية سنيّة معادية باتت “الفلوجة” منذ زمن الاحتلال أيقونتها ورمزها.

هكذا لم تعد الموصل هي الهدف بل الفلوجة، حيث تسابقت المليشيات الشيعية للانخراط في حرب أهل السُنّة في الفلوجة، وكما جرت العادة تحت شعار “حرب الإرهاب”، فالعبادي أصبح بين ليلة وضحاحا جنرالا حيث ارتدى الزي الأسود للقوات الخاصة قائدا للعملية العسكرية ضد الفلوجة، أما القائد الفعلي فكان قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سُليماني، الذي وصل إلى الفلوجة إلى جانب عدد من المستشارين العسكريين الأمريكيين، بالإضافة إلى قيادة العمليات المشتركة العراقية التي يشرف عليها القائد العام للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء العراقي، حيدر العبادي.

خطابات قادة المليشيات الشيعية لم تكن ملتبسة حول طبيعة المعركة، فأوس الخفاجي زعيم مليشيات “أبو الفضل العباس” التابعة لإيران، توعد بتدمير الفلوجة لأنها “منبع الإرهاب”، وقال الخفاجي: “إن هذه المدينة هي منبع الإرهاب منذ عام 2004، وإن تحريرها هو تحرير الإسلام”، مضيفا أنه “لا يعرف شيخ سني محترم من هذه المدينة فكلهم ارهابيون”.

وقد نسي الخفاجي أن أهل الفلوجة كانوا يقاتلون الاحتلال وعملائه آنذاك، كما أدلى قادة المليشيات بتصريحات مماثلة من هادي العامري إلى أبو مهدي المهندس، وقد التحق بالركب نوري المالكي الذي في عهده سيطر مقاتلي الدولة الإسلامية على الفلوجة في كانون ثاني/ يناير 2014، الذي عمل على تبني سياسات طائفية ومكن المليشيات من التنكيل بالسنة، وقمع وقتل المحتجين السنة.

وفي عهده، ظهرت شعارات طائفية غير مسبوقة تجاه أهالي الفلوجة ففي حزيران/ يونيو 2015، فقد أطلق نشطاء شيعة حملة بعنوان “من قتل فلوجيا دخل الجنة”، و”عراق بلا فلوجة”، و”أحرقوا الفلوجة”، وتناقل بعضهم فتوى شيعية تشدد على الأجر والثواب الكبيرين لكل من قتل أحد سكان “مدينة التكفير والإرهاب”، على حد قول مطلقي الفتوى.

وفي السياق ذاته، باشرت مجموعة من النشطاء الشيعة بنشر نموذج تفويض لمليشيا الحشد الشيعي الشعبي بإزالة مدينة الفلوجة وإنشاء مدينة جديدة بدلا منها، وكان زعيم كتلة بدر الشيعية البرلمانية “المقربة من إيران” قاسم الأعرجي، قد قال: “الفلوجة هي رأس الأفعى، فمن أراد الحل عليه بها، اجعلوا عاليها سافلها قربةً لله”.

التحالف الأمريكي مع الحكومة الطائفية الشيعية والمليشيات وفرق الموت ليس جديدا في عراق ما بعد الاحتلال، كما أن دخول بعض ساسة السنة في هذا التحالف كان مفهوما زمن الاحتلال تحت ذريعة إصلاح العملية السياسية والمشاركة في تحصيل المغانم، وعدم تفرد أحد المكونات بالحكم، كما يمكن فهم محاربة تنظيم الدولة الإسلامية تحت ذريعة محاربة الإرهاب إبان فترة الجنرال بترايوس وتأسيس الصحوات السنيّة، لكن بعد انسحاب الأمريكان والتخلي عن السنة وتركهم رهينة لأهواء إيران ورغبات مليشيات الشيعة.

يبدو أن تلك هي مسألة عودة التاريخ ليس كمأساة بل ملهاة، فالحشد العشائري الغرائبي من بقايا صحوات بترايوس وشيوخ سنة المالكي والعبادي يشاركون في القتال تحت قيادة قاسم سليماني ومليشياته، وتكتمل المهزلة مع بقايا الحزب الإسلامي وساسته من سكان المنطقة الخضراء، فقد انضم إلى حفلة قتل سنة الفلوجة رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، ورئيس الوقف السني الشيخ عبد اللطيف الهميم ووزير التخطيط القيادي في تحالف القوى السنية سلمان الجميلي، حيث قاموا بزيارة مقر قيادة عمليات الفلوجة برفقة العبادي، داعين إلى بذل اقصى الجهود لحماية المدنيين.

أشاد الجبوري في كلمة له بالعبادي “على خطوته الشجاعة بإطلاق عملية تحرير الفلوجة”، وقال إنها تمثل حالة إجماع وطني وتعبر عن تآزر العراقيين وتوحدهم من مختلف انتماءاتهم وألوانهم لإتمام عملية التحرير في الفلوجة وغيرها من المدن المحررة”.

وأشاد الجبوري بالقوات المسلحة والشرطة والمتطوعين من الحشد الشعبي والعشائري، وقال إن “تضحياتهم دين في رقابنا لأنهم قدموا من محافظات ومناطق الجنوب أو من تكريت ومن طوائف وقوميات وديانات مختلفة ليشاركوا بتحرير مدينة الفلوجة ويعطون دمهم في سبيل ذلك”.

لكن الجبوري دعا العبادي إلى “منع أي محاولات لتحويل معركة الفلوجة إلى فرصة للتعبئة الطائفية المقيتة”، وطالبه بمنع أي جهة تروج “لتحويل المعركة إلى فرصة للتعبئة الطائفية لمقيتة التي غادرناها بوحدتنا وتماسكنا وإجماعنا واجتماعنا على رفض داعش الإرهابي، ومقاتلته ومواجهته في كل الجبهات، ومن كل أبناء العراق”.

ولاشك أن الجبوري ينتمي إلى صنف من السنة من كون وعالم آخر، أما رئيس الوقف السني في العراق عبد اللطيف الهميم وهو ينتمي إلى العوالم ذاتها التي جاء منها الجبوري، فقد دعا أهالي الفلوجة الى مساندة القوات الأمنية، مشيدا بجهودها في معركتها ضد الإرهاب وداعميه، لكنه حذر من مغبة الالتفات إلى الأصوات الداعية للطائفية.

خلاصة القول، إن معركة الفلوجة كشفت عن أسباب “جاذبية” خطاب وممارسة تنظيم الدولة الإسلامية، فهو ينفرد اليوم بالدفاع عن هوية سنيّة ممتهنة تتعرض للتدمير والإبادة والتطهير، تحت ذريعة حرب الإرهاب، وقد تحققت سردية التنظيم بأكبر صورها.

فـ”الصليبيون” من قوات التحالف بقيادة أمريكا يقصفون الفلوجة وأهلها من السماء، و”الصفويون” الإيرانيون ومليشياتهم الطائفية الشيعية يقصفون من الأرض، و”المرتدون” من الصحوات السنية مجرد إكسسوارات لاستكمال اللعبة.

بعد كل هذا، كيف يمكن أن تقنع “سنيا” متوسط الذكاء أن ما يحدث هو حرب على الإرهاب، وليس عملية ممنهجة لإبادة السنة وإذلالهم، من خلال تحالف إمبريالي طائفي أمريكي إيراني؟

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: