المدارس في العراق : بين الطائفية ومرارة الحرب

هيئة التحرير 405 مشاهدات0

على مدار سنوات الاضطراب والحرب، التي عاشتها العراق، ولم تزل تعيشها، كان التعليم هو أحد المجالات التي تجرعت مرارة الحرب والطائفية. وانعكست هذه الحرب على مستوى البنية التعليمية، والمناهج الدراسية، والمعلم العراقي الذي يعتبر العنصر الرئيس في العملية التعليمية.

تعيش المدارس الحاضنة للطلاب العراقيين، واقعًا مأزومًا، على خلفية محدودية هذه المدارس، وعدم استيعابها الطلاب بصورة مناسبة لتلقي دروسهم، بجانب عدم توفير خط كهربائي لها، وعدم منح إجازات لعدة معلمات.

هذا الأمر مرده للقصف الذي تعرضت له العديد من المدارس، منذ قصف التحالف الدولي لـ«تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، وعدم تشييد مدارس جديدة، بجانب نزوح أعداد كبيرة من المواطنيين بذوييهم، من المناطق التي تقع تحت سيطرة «تنظيم الدولة»، للمناطق الخاضعة للحكومة، ما أدى إلى تكدس المدارس بالطلاب.

كذلك، فالأمر مرتبط ببيروقراطية الإجراءات الحكومية، في إنجاز المشاريع المُمولة من الهيئات الدولية؛ ففي عهد حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي (2006- 2014)، رُصد مبلغ 825 مليون دولار، لمشروع تشييد أبنية مدرسيّة وتطويرها، لكن لم يُنجز سوى 6% من المشروع.

1مدرسة «كرم الباري» الإبتدائية، الواقعة شمالي محافظة «ذي قار»، جنوبي العاصمة «بغداد»، واحدة من هذه المدارس، التي تشهد كثافة طلابية؛ إذ يتواجد في الفصل الدراسي أكثر من 60 طالبًا، وهو الأمر الذي كان دافعًا لأحد أولياء الأمور، إلى إغلاق المدرسة، وإيقاف الدوام فيها على مدار يومين دراسيين، بقوة السلاح، قبل أن تنجح قوة أمنية حكومية في احتواء الموقف، وإعادة دوام العمل.

ونقص المدارس ليس قاصرًا على المدن العراقية الكُبرى فقط، بل تمتد هذه الأزمة لقرى الريف، الذي تتعاظم فيها الأزمة. أما الوجه الآخر لهذه الأزمة، فهو سهولة انتقال عدوى الأمراض بين الطلاب في الصفوف التعليمية؛ نتيجة التكدس، خاصة في فصل الصيف، الذي تصل فيه درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية، مع انعدام وجود وسائل تهوية.

من ضمن وجوه هذه الأزمة أيضًا، اضطرار أعداد كبيرة من أهالي الطلاب إلى سحب أوراقهم من هذه المدارس الحكومية، وتقديمها إلى مدارس خاصة، ازدهر وجودها في خضم هذا التكدس.

من أسباب الأزمة أيضًا، فساد الهيئات الحكومية المسؤولة عن تشييد المدارس؛ إذ يُشيدونها في المناطق الريفية؛ وفقًا لمكانة العشيرة وعلاقاتها بالسياسيين وأصحاب القرار، دون اعتبارٍ لأعداد الطلاب.

التعليم الديني يُهيمن

هيمن التعليم الديني على المناهج الدراسية في العراق، في كافة المستويات التعليمية؛ إذ صار الربط بين المناهج التطبيقية والمواد التعليمية، بالدين، ربطًا حتميًا في كافة الأمور والقضايا، التي تمس المادة التعليمية، التي يتلقفها الطلاب من المدرسيين، كانعكاس لتكثيف البعد الديني «الطائفي» في المجال العام.

تداعيات تكثيف البعد الديني في العملية التعليمية، ظهرت نتائجه في تفضيل المدارس، منذ عام 2003، للذكور عن الإناث، وكان ذلك على نطاق ضيق، قبل أن يتوسع، بشكل يبدو للكثيرين أنه جرى تعميمه على كافة المدارس في الفترة الأخيرة، كانعكاس أيضًا لوجود «تنظيم الدولة»، وتمدد انتشاره في العراق، وحالة الاستقطاب بين الفصائل العراقية، على اختلاف مذاهبها.

انعكس هذا الأمر على التوسع في فتح المدارس الدينيّة السنيّة، وكذا الشيعيّة، ومدارس الوقفين الشيعي والسني، لتظهر تداعيات هذا جليًا في طريقة مُعالجة المعلمين في هذه المدارس الدينية، لتدريس سير الشخصيات الدينية، في المدارس الحكومية، لتختلف في المناطق الشيعية عنها في المناطق السنية، وهكذا.

هذا الأمر، يعتبره مُراقبون، عاملًا أساسيًا، في ترسيخ الهوية الطائفية؛ بسبب خضوع هذه المناهج لأجندات التفسير والتحليل، وفقًا لطائفة المدرسة، ومنطقتها، وميول ومعتقدات العاملين بها.

وزارة «داعشية» لإدارة العملية التعليمية!

تزامن توسع «تنظيم الدولة» في العراق، مع سعيه المُباشر لمحاولة عمل إحلال شامل للنظام التعليمي؛ إذ أسس التنظيم وزارة تعليم موازية؛ لمتابعة المناهج وإدارة العملية التعليمية، بشكل لا يخالف الشريعة، من وجهة نظر التنظيم، داخل الأراضي التي تقع ضمن سيطرته، وإدخال تغييرات جذرية على المواد الأدبية والتطبيقية، التي اعتاد الطلاب العراقيين دراستها.

وشملت التغييرات الجذرية لوزارة التنظيم، على المناهج التعليمية، إلغاء نظريات علمية بعينها، واعتبارها محرضة على الكُفر، بجانب حظر كافة المواد، التي تشير إلى «نظرية التطور»، التي قدمها «داروين» حول نشأة الإنسان.

كذلك شملت تعليمات التنظيم، حذف اسم «الجمهورية العراقية»، من كافة المناهج التعليمية، واستبدال«دولة الخلافة» بها، إلى جانب شطب كل الصور المنافية للشريعة، حسب رؤية التنظيم، والتي تضمنت الخرائط، وصور المرأة، بكافة المناهج التعليمية.

داخل محافظتي «نينوى والموصل»، والقرى المجاورة لها، والتي تقع في حدود سيطرة «تنظيم الدولة»، أُلغيت بعض المواد التي يعتبرها التنظيم مخالفة للشرع والدين؛ إذ اُلغيت مواد «التربية الرياضية، والموسيقية، وفصول الرسم، والوطنية»، وعدلوا في «التاريخ والجغرافيا»، وألغوا من الأساس «التربية الدينية المسيحية».

وساوم التنظيم المعلميين في هذه المدارس، على مسألة استمرار رواتبهم الشهرية بالانتظام في العمل، وربطها بالمواد التي يدرسونها؛ إذ أجبرهم أن يتطرقوا إلى أمور تخص السنة والشيعة، والنبش في قضايا تاريخية إسلامية تخص قضية الفتنة الكبرى.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: