معهد واشنطن : ماهي السياسة الامريكية الجديدة في الشرق الاوسط ؟

هيئة التحرير 980 مشاهدات0

عام 2013، ألقى الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» خطابًا أمام الجمعية العمومية بالأمم المتّحدة، استعرض فيه المصالح الأميركية الأساسية في منطقة الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، والتي تعهّد بحمايتها بأي وسيلة يراها ضرورية والتي عددها كالتالي:

  • منع انتشار الأسلحة النووية، وأسلحة الدمار الشمال.
  • ضمان استمرار تدفق موارد الطاقة إلى الاسواق العالمية.
  • محاربة الإرهاب العالمي.
  • دعم حلفاء الولايات المتحّدة
  • وترسيخ القيم الأميركية على المدى الطويل، ومن ضمنها الديمقراطية، حقوق الإنسان، والأسواق المفتوحة.

ووفقا للورقة البحثية التي نشرها معهد الشرق الأوسط، فإن هذه القائمة تحظى بتوافق واسع في القطاع السياسي الأمريكي. يتشارك أغلب المرشحين لرئاسة الولايات المتّحدة هذه الأهداف، لكن الاختلاف حول الوسائل المُناسبة والموارد التي يجب استغلالها لتحقيقها. «دانيال سيروير»، أستاذ إدارة النزاعات بمدرسة الدراسات الدولية المتقدّمة، بجامعة جونز هوبكنز، يستعرض لماذا يجب على الولايات المتّحدة أن تُعيد حساباتها بشأن السياسات المتبّعة في الشرق الأوسط، لتُصبح أقلّ عسكرية، وأكثر مدنيّة.

منع الانتشار

ووفقا للورقة، فإن أكبر المشاكل التي تُهدّد بانتشار أسلحة الدمار الشامل في المنطقة هي البرنامج الإيراني النووي، فنجاح إيران في بناء ترسانتها النووية سيُشعل سباق التسلّح في المنطقة، وسيفتح الباب أمام الحسابات الخاطئة من قِبل إيران وخصومها.

يرى الكاتب أن اليقظة ضرورية لمنع وقوع مثل هذا السيناريو، فالولايات المتّحدة يجب أن تضمن استمرار تثبيط البرنامج النووي الإيراني بعد 15 عامًا من الآن، حينما يزول أثر الاتفاقية النووية الإيرانية. سيتطلّب هذا إنهاء الحروب السنّية الشيعية، في سوريا والعراق واليمن، سعيًا لتخفيف حدّة التوتر الإقليمي، وإرساء هيكلٍ أمني إقليمي يُمكّن إيران وخصومها السنيّين، على حدٍ سواء، من ضمان عدم حصول أي طرف على السلاح النووي.

يمضي الكاتب إلى التأكيد على أن الولايات المتّحدة يجب أن تحتفظ بوضعها العسكري القوي في المنطقة، لضمان إيقاف أي محاولة إيرانية لامتلاك الأسلحة النووية، لكن هذا لا يعني بالضرورة تواجد كل القوات الأمريكية في المنطقة. فتدمير المنشئات الإيرانية – إن تطلّب الأمر ذلك – يمكن تنفيذه بذات القدر من الفعالية مع تعريض عدد أقل من الجنود للخطر، باستخدام الهجمات الإلكترونية وصواريخ الكروز، وطائرات الدرونز.

مُشكلة أخرى تستعرضها الورقة، هي ترسانة إسرائيل من الأسلحة النووية، التي تستفز عددا من دول المنطقة، والتي لا تواجه أي اعتراضات من الولايات المتحدة، بل وربّما تراها ضمنيًا كصمام أمانٍ ضروري. يجب أن يكون النهج الأميركي دبلوماسيًا بالقدر الأكبر، لكي تتمكن من إقناع إسرائيل، ودول أخرى ربما تمتلك أسلحة بيولوجية وكيميائية، مثل سوريا ومصر، بالتخلّي عن أسلحتها.

تأمين مصادر الطاقة

لم تعُد الولايات المتّحدة تعتمد بشكلٍ رئيسي على النفط المستورد، نتيجةً للارتفاع الدرامي للإنتاجية الأمريكية من النفط، بعد اتباع الوسائل غير التقليدية، مثل الحفر الأفقي. في 2014، استوردت الولايات المتّحدة 20% فقط من واردات النفط من دول الخليج.

لكن النفط سلعة تُباع في الأسواق العالمية، لذا فإن أي اضطرابٍ في أي مكانٍ سيرفع سعر النفط في كل مكان. يمرّ النفط القادم من الخليج بمضيق «هرمز»، ويذهب بشكل رئيسي إلى الصين، واليابان، والهند. وأي انقطاعٍ في إمدادات النفط المارّة بالمضيق سيضر باقتصاد الولايات المتحّدة.

يرى الكاتب أن الولايات المتّحدة تمتلك وسيلتين أساسيتين لمجابهة ذلك: الأولى عسكرية، تتمثّل في تحريك الأسطول البحري الخامس المتمركز في البحرين، لحماية المضيق، بدعمٍ من القوات الجوية المتمركزة بالشرق الأوسط. لكن مثل هذا الإجراء سيؤدي إلى أزمة عالمية يترتب عليها ارتفاع في أسعار النفط، وما تحرّكت القوات إلا لتفادي وقوعه. أيضًا فإن مثل هذا الاستخدام للقوات العسكرية سيستنزف الميزانية العسكرية الأمريكية بمرور الوقت. لذا فيجب ألّا تكون عملية حماية إمدادات النفط، وإبقاء المضيق مفتوحًا، أميركية خالصة. تُشارك قواتٌ بريطانية وفرنسية بالفعل، ويجب على الولايات المتّحدة استقطاب المزيد من الدول، مثل الصين والهند، حيث إن إيران من غير المتوقّع أن تُهاجم السفن الصينية أو الهندية، أو تمنع إمدادات النفط عن الدولتين.

لكن التدخّل العسكري ليس الحل المثالي، ويجب أن يكون الملجأ الأخير، كما يرى «سيروير». الحل الأول الذي يجب أن تلجأ اإليه الولايات المتّحدة والدول أعضاء وكالة الطاقة الدولية هو استخدام مخزون النفط الإستراتيجي في حالات انقطاع الإمداد، لمنع ارتفاع الأسعار وحماية اقتصاد أمريكا وحلفائها، وتقليل التدفق المالي إلى المصدّرين المنافسين، مثل روسيا وإيران وفنزويلا. أيضًا يجب أن تحث الولايات المتحدة مستوردي النفط من غير الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، مثل الصين والهند، إلى بناء مخزون نفطٍ إستراتيجي مماثل، لاستخدامه في أوقات الأزمات، لا أن تظلّ هذه الدول مجرّد منتفعٍ من الاحتياطي النفطي الذي توفّره الولايات المتّحدة.

محاربة الإرهاب العالمي

يرى «سيروير» أنّ محاولة التنبؤ بخط سير الإرهاب العالمي ضربٌ من الحماقة. فمنذ الحرب العالمية الثانية، وحتى اليوم، لم ينجح أحدٌ في ذلك. الوضع الحالي، من انتشار الإرهاب إسلاميّ النزعة في عشرات الدول، وارتفاع أعداد التابعين إلى عشرات الآلاف، وانتشار الحركات التمرّدية الإرهابية، من مالي ونيجيريا إلى أفغانستان وباكستان، يشهد على فشل الوسائل العسكرية المتّبعة منذ ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) في تقليل الخطر، أو احتوائه. ولا سبب لدينا للاعتقاد بأن هذا لن يستمر، بالنظر للنمو المستر للقاعدة والدولة الإسلامية في أفغانستان واليمن، واحتفاظ الأخيرة بالموصل والرقّة ودير الزور، واتّساع دائرة عملياتها الإرهابية خارج أرض الخلافة، في سيناء وباريس واسطنبول وبروكسل وبيروت، وغيرها من المدن.

يرى الكاتب أنه ربّما يكون التدّخل العسكري ضروريًا لاستعادة المراكز السكّانية في العراق وسوريا، لكن هذا لن يكون كافيًا. فالدولة الإسلامية تجتذب المزيد من المتطرفين الشرق أوسطيين وغيرهم. سيتوجّب استغلال الوسائل غير العسكرية: من قطعٍ للتمويل، ومنعٍ للسفر إلى مناطق سيطرة الجماعات الإرهابية، واعتقال مسلّحي الجماعة ومحاكمتهم.

أمّا السلاح الأهمّ ضد الدولة الإسلامية – والمفتقد بشدّة – فهو إرساء أنظمة حُكم أكثر احتواءً وأقلّ إقصاءً. يشهد العالم حاليًا ثورات ضد أنظمة الحكم الأوتوقراطية الفاسدة التي «فشلت في تقديم الخدمات، وأذلّت شعوبها، ومنعت مواطنيها من أي مشاركة فعّالة في الحكم» على حدّ تعبير «سيروير». من المعروف أن الدولة الإسلامية والقاعدة تستقطبان الشباب المسلم القابع في السجون، لذا فإن إنشاء قوات أمنية تُعامل الشعوب باحترام، ونظامٍ قضائي مستقل، هو بالتأكيد جزء أساسي من الحلّ المطلوب. ربّما ننجح في استعادة تكريت، والرمادي، لكنّ عدم إرساء حكمٍ رشيد سيجعل النتائج طويلة المدى مخيّبة للآمال.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: