تداعيات الصراع الشيعي – الشيعي في العراق

هيئة التحرير 989 مشاهدات0

احتدم صراع على السلطة داخل الأغلبية الشيعية في العراق، مع تعثر محاولات تشكيل حكومة جديدة، فيما يثير خطر تحول الصراع إلى العنف ونسف المساعي التي تقودها الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم داعش.

ولأول مرة منذ الانسحاب الأمريكي في نهاية 2011، اقتربت القوى الشيعية الشهر الماضي من حمل السلاح في مواجهة بعضها البعض، حين اقتحم مؤيدون لرجل الدين الشيعي واسع النفوذ، مقتدى الصدر، مبنى البرلمان داخل المنطقة الخضراء في بغداد.

وتمركز مسلحون من جماعات شيعية منافسة في مواقع قريبة، ما أثار شبح اندلاع قتال فيما بين الشيعة، على غرار ما شهدته مدينة البصرة في جنوب البلاد عام 2008، حين قتل مئات الأشخاص.

وأظهر مقطع فيديو نشر على الموقع الإلكتروني لجماعة سرايا الخراساني المدعومة من إيران شاحنات تحمل هؤلاء المقاتلين، الذين كانوا مسلحين بقذائف صاروخية وأسلحة آلية، ويجوبون شوارع العاصمة تحت سمع وبصر القوى الأمنية.

وتشكل الأزمة أكبر تحد سياسي حتى الآن لرئيس الوزراء حيدر العبادي، وهو إسلامي شيعي، تولى المنصب في 2014، ووعد بهزيمة الدولة الإسلامية، ورأب الصدع مع السنة والأكراد، واستئصال الفساد الذي يعصف بإيرادات الدولة، التي تضررت بالفعل بشدة جراء انخفاض أسعار النفط.

ويقول الصدر- وهو سليل عائلة من رجال الدين الموقرين- إنه يدعم الإصلاحات السياسية التي طرحها العبادي، واتهم زعماء شيعة آخرين بالسعي للإبقاء على نظام المحاصصة السياسية، الذي يتسبب في انتشار الفساد في الإدارة العامة.

واقتحم أنصاره المنطقة الخضراء شديدة التحصين في 30 نيسان/ أبريل الماضي، بعد أن عرقلت جماعات سياسية منافسة موافقة البرلمان على تشكيلة حكومية جديدة تتكون من تكنوقراط مستقلين اقترحهم العبادي لمكافحة الفساد.

وأوضح قائد في جماعة سرايا الخراساني، التي انتشرت قرب المنطقة الخضراء، ردا على ذلك، أنهم سيقاتلون لمنع أنصار الصدر من احتلال المنطقة التي تضم البرلمان ومقار حكومية وسفارات.

وقال القائد -وقد ارتدى ملابس خضراء مموهة وعمامة سوداء- متحدثا لمقاتليه في الفيديو الذي نشر على الإنترنت: “نحن هنا لوأد هذه الفتنة في مهدها”.

“قاب قوسين أو أدنى”

وانحسر احتمال اندلاع العنف بعد أيام قليلة، حين غادر أتباع الصدر المنطقة الخضراء، وحلت قوات الجيش والشرطة محل مسلحي الفصيل المنافس.

لكن تلك الواقعة قدمت لمحة من صراع على الهيمنة داخل الطائفة الشيعية، التي يفترض بها أن تكون متحدة في جهود هزيمة تنظيم الدولة، الذي سيطر على نحو ثلث أراضي العراق في 2014.

وقال نائب شيعي بارز في البرلمان: “لقد كنا قاب قوسين أو أدنى من سيناريو دموي عنيف” مرددا تعليقات صدرت عن مسؤولين أمنيين وحكوميين طلبوا جميعا عدم ذكر أسمائهم وهم يتحدثون عن الانقسامات الداخلية.

وقال النائب البرلماني إنه خلال اجتماع، في أول أيار/ مايو الماضي، لأعضاء من الائتلاف الوطني، وهو مظلة سياسية فضفاضة تشكلت في 2010 على يد الجماعات الشيعية الرئيسية، وبينها التيار الصدري، بدا القادة الشيعة الآخرون “مقتنعين بأنه قد تجاوز الحد”.

وأضاف النائب الذي شارك في الاجتماع أن الصدر لم يحضره، لكن الحاضرين “بعثوا إليه بإنذار” بأن أنصاره قد يبعدون بالقوة إذا لزم الأمر.

وأكد سياسيان آخران حضرا الاجتماع إرسال هذه الرسالة للصدر، البالغ من العمر 42 عاما، والذي يتهمه خصومه دوما بمحاولة فرض شروط على بقية الائتلاف الوطني.

وقال عمار الحكيم، رجل الدين الشيعي البارز، الذي تربطه صلات بإيران، ويرأس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وهو أحد المكونات الرئيسية في الائتلاف الوطني: “من المؤسف أن هناك سياسيين مستعدين لإحراق العراق من أجل مصالحهم الشخصية وطموحاتهم تحت ذريعة الإصلاحات”.

وحشد الصدر عشرات الآلاف من أنصاره، خلال الأشهر القليلة الماضية؛ للضغط على العبادي للوفاء بتعهداته بالإصلاح، التي يدعمها أيضا آية الله على السيستاني، أكبر مرجع شيعي في العراق.

 اقتتال داخلي

كانت آخر مرة تحول فيها الصراع الداخلي بين الشيعة إلى اقتتال دموي في عام 2008، حين أمر رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الجيش بالاشتباك مع أنصار الصدر في البصرة؛ لإنهاء سيطرتهم على أجزاء من المنطقة الجنوبية، التي تضم معظم الثروات النفطية للبلاد.

وعلى عكس الموقف الحالي، واجه الصدر حينها قوات حكومية وليس جماعة مسلحة. لكنه اعتبر أيضا قتالا شيعيا-شيعيا؛ نظرا لأن الجيش يتشكل في غالبيته من الشيعة.

وسلم المالكي السلطة للعبادي في 2014، بعد فشل الجيش في وقف تقدم الدولة الإسلامية، ويعد حاليا خصما لرئيس الوزراء.

وتتلقى الفصائل الشيعية المسلحة الكبرى بالعراق دعما بالمال والسلاح والتدريب من إيران، ويضعهم هذا على طرفي نقيض مع الصدر، الذي انتفع يوما من الدعم الإيراني، لكنه يقدم نفسه زعيما أكثر نزوعا للنهج الوطني.

وتقاتل سرايا الخراساني ومنظمة بدر-وهي من أكبر الجماعات التي تدعمها إيران- إلى جانب كتائب السلام التابعة للصدر، وعشرات الجماعات الأصغر الأخرى، مع الجيش العراقي المدعوم من الولايات المتحدة ضد الدولة الإسلامية، في إطار ما يعرف باسم “قوات الحشد الشعبي”.

لكن وحدة الهدف فيما بينها بدأت تتراجع على ما يبدو، ويظهر استعراض القوة من جانب الفصائل المدعومة من إيران معاناة الدولة لكبح نفوذهم المتعاظم.

وبعد سلسلة من التفجيرات الدامية ببغداد تبنتها الدولة الإسلامية خلال الأيام الماضية، تبادل سياسيون من منظمة بدر ومن التيار الصدري الاتهامات بالتواطؤ.

في الوقت نفسه، يبدو الصدر عازما على ارتداء عباءة القيادي المصلح في البلاد، في خطوة ربما تهدف ولو جزئيا على الأقل للاستعداد للانتخابات العامة خلال العامين المقبلين.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: